
قالوا لي: اكتبْ أقوى…
كأنّ الكلماتِ لم تَتعبْ بعدُ من النزفِ،
كأنّ الحبرَ لم يُولَدْ من رمادِ المدنِ حين تحترق.
فكتبتُ…
قالوا لي: لماذا السياسةُ في شعرك؟
قلتُ: لأنّها ليست “فيه”…
بل هي التي تكتبُني
حين أضعُ القلمَ على الورق.
هي التي تدخلُ قصيدتي بلا استئذان،
تخلعُ نعليها عند صدرِ البيتِ الأول،
وتجلسُ على قلبي
كمن يعرفُ أن المكانَ لها منذ البداية.
أنا لا أختارُها…
هي تختارُ أن تفضحَني.
أكتبُ عن ظل يمر في الذاكرة…
فيتحول إلى وطنٍ محاصر،
أكتبُ عن إشارة لم تكتمل …
فيصبح بيانَ احتجاج،
أكتبُ عن عطرٍ…
فيصيرُ العطرُ غازًا مسيّلًا للذكريات.
قالوا: ابتعدْ عن الدم…
فقلتُ:
كيف أبتعدُ عنه
وهو يَكتبُ اسمي على جدرانِ اللغة؟
كيف أكتبُ عن العشقِ
وفي بلادي
العاشقُ يُسأل:
هل أحببتَ بإذنٍ رسمي؟
أنا ابنُ السؤالِ حين يُمنع،
وابنُ القصيدةِ حين تُفتَّشُ على الحدود،
وابنُ وطنٍ
إذا تنفّسَ…
اتهموه بالتمرد.
فلا تطلبوا من الشعرِ أن يكونَ بريئًا
في زمنٍ
تُغتالُ فيه البراءةُ عند أولِ جملة.
أنا أكتبُ لأني إن سكتُّ…
سيتكلمُ الصمتُ عني
بلغةٍ أشدَّ قسوةً من الرصاص.