
النص الكامل
“القِيامة…”
نبتاتُ الهندباء البرّية كنتُ أقطفُها بعد أخذِ الإذْنِ من حبيبتي الأرض، أغسلها وأسعدُ بشهيِّ طبخِها. الفِطرُ البرِّيُّ يزهر بين أناملي كالسِّحر، لا يُغذي الفَمَ وحده بل يُغذي الروح. أثمارُ الزعرور تتساقط ناضجة تمنحني مذاقات الجنة بسُكَّر عسلِها. أشجارُ التِّين وهي تتصابى كالورد وتدعوني إلى التَّعلُّقِ بفساتين أغصانها لتمنحني أشهى مذاقات شمس الصَّيف. شُجيرات العنب الأسودِ كالإشتهاء والذَّهبي كالقمر تغمرني بفروعها بكَرَمٍ منقطعِ النَّظِير. أشجار الزيتون أبراج الزَّيتِ ونكهةِ التُّربة الذي سيُسعدني عندما سوف ألتحفُ حفرة نهاية العمر بسعادة الوداع الأخير. ليتني بذورُ كلِّ الأثمار المقدسة السالفةِ الذِّكْر، لأبقى في تربةِ أرضنا المحتلةِ وقُرانا المهدمة، لأُشاهد العودةَ إلى مَهْدِ أرضنا التي ستحضنني ذات ربيعٍ مع أهل أرضِنا كالقيامة…!
الشاعر تيسير حيدر – لبنان
في نقد النص:
هذه القصيدة التي كتبها تيسير حيدر، ليست -كما يظنّ البعض- مجرد وصف شاعريّ للنباتات البريّة التي تنبت في حقول لبنان هي، في حقيقتها، رحلةٌ وجوديّةٌ في الزمن، أو لنقل بدقّة: هي محاولةٌ لاختراق قوانين الطبيعة، وكأنّ الشاعر يريد أن يقول لنا: “ما ترونه موتاً ليس سوى بابٍ للدخول إلى حياةٍ أخرى، وما ترونه أرضاً محتلّةً ليس سوى مَهْدٍ ينتظر عودة أبنائه”.
لنبدأ من نبتات الهندباء البرّية التي يقطفها الشاعر بعد أن يأخذ الإذن من “حبيبته الأرض”. هذه اللفتة الجميلة، “أخذ الإذن”، تكشف عن علاقةٍ ليست ماديّةً بالطبيعة، بل علاقة عشقٍ وقداسة. حين يغسل هذه النبتات ويطبخها، إنّه لا يُغذّي جسده فقط، بل يُغذّي روحه. وهذا هو السرّ الأوّل: فالنبات هنا ليس طعاماً، بل هو رسالةٌ من الماضي، ووعدٌ بالمستقبل. وكأنّ الشاعر يقول لنا: “أنا آكل من تراب وطني كي لا أموت، وكي يبقى الوطن حيّاً في دمي”.
لكنّ هذه اللحظة الحالمة لا تدوم طويلاً، لأنّ الشاعر يعيش في حالةٍ عجيبة، تشبه إلى حدّ كبير تلك القطّة الشهيرة التي وضعها عالم الفيزياء “شرودينغر” في صندوقه المغلق. تخيّلوا معي: في “تجربة شرودينغر”، هناك قطّةٌ تكون حيّةً وميتةً في الوقت نفسه، ولا يتقرّر مصيرها إلّا حين يفتح أحدهم الصندوق وينظر إليها. هكذا هو حال الشاعر في هذه القصيدة؛ إنّه يعيش في “صندوق” الأرض المحتلّة والقرى المدمّرة. هو حيٌّ لأنه يقطف الفطر ويتذوّق مذاقات الجنة في ثمرة الزعرور وغيرها، وهو ميّتٌ لأنه يدرك أن هذه الأرض مغتصبة، وأنّ حفرة نهاية العمر تنتظره. لكنّه، ومن دون أن ينتظر أحداً ليفتح صندوقه، يقرّر أن يكسّر قوانين الفيزياء العاديّة؛ فهو يريد أن يتحوّل إلى بذرة.
هذه البذرة هي الثورة الكمومية الحقيقيّة في النص. فالبذرة، كما نعرف، ليست حياةً كاملةً ولا موتاً تامّاً؛ هي طاقةٌ كامنةٌ، هي وعدٌ بالقيامة. وعندما يقول الشاعر: “ليتني بذورُ كلِّ الأثمار المقدسة… لأبقى في تربةِ أرضنا المحتلة”، فإنّه يزيح الستار عن حقيقةٍ كونيّة: الموت ليس نهاية، بل هو الشتاء الذي لا بدّ أن يتبعه ربيع. والقبر ليس حفرةً للنهاية، بل هو حضنٌ جديد للأرض الأم، حيث يتحلّل الجسد ليُصبِح غذاءً للجذور، وحيث تولد القيامة من رحم التراب وليس من السماء.
والجميل في هذه القصيدة أنها تتحرّك كموجةٍ بحرية؛ أحياناً ترتفع بنا إلى عنان الفرح، حين يلمس الشاعر نضجَ العنب الذهبيّ كالقمر، وأحياناً تهبط بنا إلى قاع الحزن، حين يستحضر القرى المهدّمة والخرائط المغتصبة. هذه الموجة لا تستقرّ على حال؛ إنّها تتّسع كلّما اقترب الشاعر من حلمه، وتنهار كلّما صدمه الواقع. لكنّها، وبشكلٍ عجيب، لا تنكسر أبداً، بل تعيد تشكيل نفسها من جديد في كلّ قراءة.
وهنا يأتي دورنا، نحن القرّاء. فالقصيدة، في رؤيتها الكموميّة، ليست شيئاً ثابتاً؛ هي مرآةٌ تتغيّر بحسب من ينظر إليها. حين تقرؤها وأنت تشعر بالجوع، سترى فيها وصفاً شهيّاً للطعام. وحين تقرؤها وقلبك مثقلٌ بالغربة، سترى فيها لوعة الحنين. وحين تقرؤها بعين الأمل، سترى فيها وعداً بالقيامة التي لا تتوقّف. نحن من نفتح صندوق القصيدة في كلّ مرّة، ونحن من نقرّر: هل ستكون القطّة (أي الإنسان وهويّته) حيّةً أم ميتةً؟ لكنّ الشاعر يسبقنا إلى الحكمة، فيزرع في النصّ إمكانيةً ثالثةً لا تخطر على بال الفيزياء التقليديّة: أن تتحوّل القطّة إلى بذرة، فتخرج من لعنة الصندوق نهائيّاً، وتُصبح جزءاً من دورة الخلق التي لا تتوقّف.
إنّ “القيامة” التي يختم بها النصّ، ليست حدثاً دينيّاً ينتظر أن ينزل من السماء، بل هي سنّةٌ كونية “أرضيّة”، هي دوران الزمن نفسه، هي إصرار الحبّة على اختراق الصخر، هي عودة المسافر وإن طال الغياب. الشاعر يقول لنا بصوتٍ هادئ لكنّه حازم: لا تخافوا من الحفرة، فالتراب الذي ستلتحفونه هو نفسه التراب الذي سيُخصب بذور الغد. الأرض المقدّسة لا تُغتصب إلى الأبد، لأنّها ليست مجرّد جغرافيا، بل هي مدارٌ كونيّ، يدور حوله الزمن، وكلّما ابتعدنا عنه، عدنا إليه، وكلّما دفنّا فيه، انبتقنا منه.
في النهاية، هذه القصيدة تعلِّمنا أن ننظر إلى النباتات كشهود على التاريخ، وإلى الموت كبوّابةٍ نحو الخلود، وإلى الاحتلال ككابوسٍ سرعان ما ينقشع عندما تعيد الحياة تشكيل نفسها. إنّها دعوةٌ لأن نكون، مثل الشاعر، بذوراً لا تموت، تحمل في داخلها نكهةَ التين والزعرور وروحَ الزيتون، وتنتظر أن يأتي الربيع -مهما تأخّر- لتُزهر في حضن المهد، وتُعيد كتابة القيامة بأهل الأرض، على مهل، وبسعادة الوداع الأخير الذي هو في الحقيقة لقاءٌ أوّلٌ أبديّ.
دام ألقك
بقلم: نذير الحسن – سوريا