
كان جدّي يعيش في القرية
لكن بعد انتقالنا إلى المدينة
كان يزورنا و يقيم معنا أحيانا
حاملاً معه رائحة التراب و هدوء الحقول.
هناك فهمت أن الرجل نفسه
يمكن أن يكون ابن الأرض
و ابن الطرقات في الوقت ذاته.
ورثتُ عن جدّي الريفي
طريقةَ التوقّف في الحقل
قبل أن يخطو الخطوة الأولى
كأنه يسلّم على الأرض بصمتٍ قديم.
ورثتُ عنه فرك التراب بين الأصابع
ثم شمّه قليلاً كأنه يقرأ
رسالةً لا تظهر إلا لمن عاش طويلاً معها.
علّمني
أن أضع أذني على جذع الشجرة
و أن أصغي للماء
و هو يمشي تحت التراب.
كان يعرف من شكل الغيوم
إن كان المساء سيغضب
و من صمت الطيور
إن كان الصباح سيأتي ثقيلاً .
ورثتُ عنه المشي ببطءٍ في الحقول
لا احترامًا للتعب
و لكن احتراماً لما ينبت.
كان يحمل في جيبه بذوراً قليلة دائماً
حتى حين يذهب إلى السوق
و لا ينوي الزراعة.
سألته مرةً لماذا تحملها معك؟
ضحك و نفض الغبار عن كفّيه
و قال: الأرض تحبّ من يأتيها بشيء.
كبرتُ بعدها و غادرتُ القرية
و تركتُ الحقول
و الشجرة التي كان يجلس تحتها.
لكنني لاحظت شيئا غريباً
كلما مررتُ بأرضٍ خالية
أمدّ يدي إلى جيبي
دون أن أفكّر.
أتحسس البذور.
ليس لأنني أنوي الزراعة…
و لكن لأن جدّي قال لي يوماً:
إذا مررتَ بأرضٍ
و لم تترك فيها شيئا منك
فلا تتفاجأ إن مرّ عمرك كلّه
و لم يترك فيك شيئا .
ورثتُ عن جدّي
الوقوف قليلاً قبل فتح الباب،
لا خوفًا…
و لكن كأنّه يترك للبيت
فرصةً ليتأكد أننا عدنا.
ورثتُ عنه
وضع الكرسي قرب النافذة،
ليس للراحة و لكن لمراقبة الشارع
كما لو أن الطريق
قد يرسل خبراً في أي لحظة.
علّمني كيف أعدّ الدرجات
حين نصعد السلم
و كيف أترك خطوةً أخفّ في الدرجة الأخيرة.
ورثتُ منه الانتباه لصوت الريح
حين تمر بين الأشجار
و الإنصات الطويل إذا سقط شيءٌ بعيد.
كان يحتفظ بعلبة كبريت في جيبه دائماً
و سكينٍ صغيرة لا يستخدمها أبداً .
و حين سألته مرةً لماذا تحملها؟
ضحك
كأن السؤال طريف
و قال الإنسان لا يعرف
متى يحتاج إلى شيءٍ بسيط لينقذ يومه.
ورثتُ عنه أيضاً طريقة النظر إلى الوجوه
قبل مصافحة أصحابها
و الصمت حين يصبح الكلام أثقل من حمله.
لكن أكثر ما ورثتُه منه
لم أفهمه إلا بعد أن كبرت.
في آخر ليلةٍ له في البيت
كان يمشي بين الغرف ببطءٍ شديد،
يلمس الجدران كأنّه يودعها.
ثم قال لي
و هو يطفئ المصباح الأخير
لا تتعلّق بالأماكن كثيراً يا بني
فالبيوت مثل الناس…
أحياناً تموت
و هي ما تزال واقفة