كتاب وشعراء

الطبق الصينى والفوطة البيضاء…بقلم د. مصطفي عبد المؤمن

في رمضان… يعود القلب دائمًا إلى الخلف،
إلى تلك الأيام التي كان فيها كل شيء أبسط… وأصدق.
كنتُ يومها أجلس في البيت مع أولادي، وزوجتي في العمرة.
البيت هادئ على غير عادته، والمطبخ يكاد يعلن خلوَّه إلا من بعض الأواني الصامتة.
كنا نعتمد – كعادة رمضان في بيوت المصريين – على ما يصلنا من أطباق الأحبة والأخوة والجيران.
تلك العادة الجميلة التي لا تزال تقاوم الزمن… عادة “الطَّبَق الدَّوَّار” الذي كان يدور بين البيوت قبل أذان المغرب كأنه رسول مودة.
وقبل الإفطار بدقائق…
رنَّ جرس الباب.
تبادلنا النظرات سريعًا، وكأن الأمل دقَّ الجرس قبل صاحبه.
فالوقت قد أزف، والثلاجة كعادتها في آخر النهار صامتة إلا من بقايا متواضعة.
قمتُ أفتح الباب،
فإذا بشابين في مقتبل العمر يقفان على العتبة يحملان صينية كبيرة مغطاة بمفرش قماش.
ذلك المشهد…
لم يكن مجرد صينية طعام.
بل كان مفتاحًا فتح باب الذاكرة على مصراعيه.
عاد بي الزمن فجأة إلى بيتنا القديم…
البيت الكبير الذي كانت تتجاور فيه القلوب قبل الجدران.
تذكرت أمي.
كانت أمي – رحمها الله – تملأ طبقًا بالطعام، ثم تغطيه بفوطة يد بيضاء نظيفة،
وتناديني بصوتها الحازم الحنون:
— خد الطبق ده وودِّيه لبيت عمك…
وبص قدامك وانت ماشي…
إوعى تميله كده ولا كده…
وصل الطبق وارجع على طول.
كنت أهز رأسي موافقًا…
لكن الحقيقة أن عقلي لم يكن مشغولًا بالطريق بقدر ما كان مشغولًا بالسرّ المختبئ تحت الفوطة البيضاء.
كنت أسير في الحارة الضيقة،
ورائحة الطعام تتسلل من أطراف الفوطة كأنها تستفز فضولي.
وأخيرًا…
في لحظة ضعف أمام فضول طفل صغير،
عزمت على كشف السر.
رفعت طرف الفوطة قليلًا…
ثم أكثر قليلًا…
وانشغلت تمامًا بمحاولة اكتشاف الكنز المخفي تحتها،
حتى نسيت الطريق… ونسيت العالم.
وفجأة…
اصطدمت بعجلة كانت قادمة مسرعة.
سقطتُ أنا…
وسقطت العجلة…
وسقط معها سرُّ الطبق.
وفي لحظة السقوط، كان همّي الوحيد أن أحافظ على الطبق والفوطة،
كأنني أحمل أمانة وطنية لا مجرد حلوى.
لكن…
لم ينجُ شيء.
انكسر الطبق الصيني الجميل،
وانسكب الرز باللبن على الأرض…
واختلط بالتراب اختلاطًا مؤلمًا لطفل كان ينتظر اكتشافه.
لكن الغريب…
أن الفوطة البيضاء كانت معلّقة على جادون العجلة،
ترفرف قليلًا مع الهواء…
وكأنها علمٌ صغير أعلن ولاءه في ساحة المعركة.
وقفت أنظر إليها لحظة…
كأنها تنتظر التحية مع مارش عسكري.
لم أفق من شرودي…
إلا على إيقاع آخر.
إيقاع كفوف أمي على ظهري.
كانت تضربني،
لكنها – في الحقيقة – كانت تكمل الإيقاع العسكري لذلك المشهد البطولي الفاشل.
ضحكت وأنا أتذكر كل ذلك،
وأنا واقف على باب البيت أمام الشابين يحملان الصينية.
أخذت الصينية منهما وأنا أشكرهما،
وشعرت أن رمضان لم يأتِ بالطعام فقط…
بل أعاد لي طقوسًا كاملة من الزمن الجميل.
زمن كانت فيه الأطباق تمشي بين البيوت…
قبل أن تمشي الرسائل في الهواتف.
وكانت الفوطة البيضاء…
أكثر صدقًا من ألف كلمة.
ذلك هو رمضان الذي تربينا عليه…
رمضان البيوت المفتوحة، والقلوب المتجاورة، والطبق الذي لا يعود فارغًا أبدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى