رؤي ومقالات

أشرف الصباغ يكتب : ساحة “حرب الإرادات”

إذا لم يعلن أي طرف انتصاره في الحرب الإيرانية بحلول نهاية مارس الجاري، وإذا لم يعلن أي طرف الحسم العسكري على الأرض بحلول هذا التوقيت، فإن الحرب ستدخل إلى ساحة “حرب الإرادات”. ويمكن أن نستشف من مواقف كل من إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أن الحرب داخلت نظريًا إلى هذه الساحة “المرعبة” التي تقتضي هدم المعبد على رؤوس الجميع. ولكن حتى الآن، لا يبدي الجميع إرادة أو حتى توجه إلى “هدم المعبد”، وبالذات الصين والاتحاد الأوروبي ودول الخليج ومصر وتركيا.
بمعنى أن هناك دولا مستفيدة من هذه الحرب وعلى رأسها روسيا التي لديها مساحة هائلة للعديد من المناورات، حتى مع تورطها في أوكرانيا. روسيا رابحة في كل الأحوال، حتى إذا تم “هدم المعبد”. والشخص الأرعن الوحيد الذي دفع في هذا الاتجاه، هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بثقته المفرطة في وحدانية وقوة وعظمة الولايات المتحدة، ومن ثم استنتاج كل النتائج الخاطئة التي تؤدي عادة إلى انهيار الإمبراطوريات بنتيجة تلك الحسابات غير الدقيقة التي تؤدي بدورها إلى أخطاء تراجيدية.
“حرب الإرادات” تستدعي سحق طرف للآخر، والقضاء التام لطرف على الآخر. فالطرف الإيراني يبدي استعداده الكامل والتام للانتحار، والطرف الأمريكي الإسرائيلي مستعد تماما لتكبد المزيد من الخسائر الفادحة، بما في ذلك في الأرواح. ومن هنا تحديدًا، تظهر فكرة “حرب الإرادات” و”هدم المعبد”. وهو ما يمكن أن يظهر بحلول نهاية مارس الجاري.
العالم، وعلى رأسه الصين وروسيا وأوروبا ليس لديه القدرة على إيقاف هذه “المهزلة”، سواء بالقوة العسكرية، أو بالوساطة من أجل وقف الحرب. والطرفان المتحاربان لا يبديان أي رغبة في أي وساطات حتى الآن، بصرف النظر عن التصريحات الرسمية الهزيلة والمراوغة. وبالتالي، تبدو كفة “حرب الإرادات” و”هدم المعبد” هي الراجحة. ولكن كيف سيتم ذلك، بعيدًا عن التفكير في ما بعد انتصار إرادة على أرادة أخرى أو هدم المعبد على رأس أحد الطرفين. فالولايات المتحدة ليست فاعل خير، وليست جمعية خيرية، كما كتبنا في بداية الحرب؟!
إن أي إعلان انتصار سريع من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل من دون الإنهاء التام للنظام الإيراني بكل مكوناته وأذرعه، لا يعني فقط هزيمة كل منهما، بل ويعني أيضا تعريض منطقة الخليج إلى قنبلة شديدة الانفجار أو تركه على برميل من البارود، وما سينتج عن ذلك من تداعيات جيوسياسية وفي مجالات الطاقة والاقتصاد. ناهيك عن انهيار صورة الولايات المتحدة ووقوع إسرائيل في منطقة الخطر.
وأي تراجع من إيران قبل وضع الولايات المتحدة وإسرائيل على طاولة المفاوضات والحصول على ضمانات دولية صارمة بعدم تكرار مثل هذه الحرب أو المساس بإيران ومصالحها وأذرعها، سيُغّدُ هزيمة منكرة لطهران، ووقوعها في منطقة الخطر الدائم.
كل السيناريوهات الأخرى، بما فيها وساطة الصين بمفردها، أو وساطة الصين ومعها دول مثل مصر وتركيا، غير مجدية من دون ظهور انتصار إرادة على أخرى ولو حتى بشكل دعائي وإعلامي. وبنهاية مارس الجاري، إذا لم يتم الإعلان عن وساطات ما، واستجابة أطراف الحرب لهذه الوساطات، فإن هذا الطريق سيغلق تماما. وفي الواقع، كل الطرق والمسارات مغلقة، أو بمعنى أخف، تؤدي إلى مسار واحد ووحيد: استمرار الحرب (التي ستتحول إلى حرب إرادات) إلى أن يقضي طرف على طرف آخر. وهنا تتدخل عدة عوامل مهمة، على رأسها موازين القوى!!!
المنطقة لا تحتمل استخدام أسلحة نووية لحسم الحرب مثلما حدث في حالة كسر إرادة اليابان قبل 80 عاما تقريبا. ولكن هناك أسلحة أخرى تصلح لتحقيق نفس الهدف لدى الولايات المتحدة. مع العلم بأنها، هي وإسرائيل ستتكبدان خسائر فادحة أثناء الحرب، وبعدها بسنوات. ولكن هذا هو الأمر الواقع في حرب الإرادات.
ولا يمكن بطبيعة الحال استبعاد أن تكون هناك الآن مساومات بين الولايات المتحدة وبين دول الاتحاد الأوروبي الذي وجد الفرصة المناسبة ليرد الصفعة إلى دونالد ترامب الذي تعامل برعونة مع الدول الأوروبية ومع حلف الناتو الذي تقوده واشنطن نفسها. لا أحد يدري كيف ستنتهي هذه المساومات. لكن هناك انطباعا بأن أوروبا لن تترك الولايات المتحدة وحيدة. أما عن صيغة التحالف أو العمل معًا، فهذا أمر سابق لأوانه، ويخضع لحسابات أخرى، من بينها موقف ترامب من روسيا ومن الحرب الأوكرانية، ومن أوروبا نفسها كحليف عضوي.
ولا شك أن دول الخليج العربية ستتضرر. ولكن هذه الدول لديها قدر كاف من المرونة والعقلانية لتخفيف خسائرها إلى الحد الأدنى، ما يضمن لها الاستمرار بعد الحرب، سواء مع ترامب أو غيره من سكان البيت الأبيض. هكذا هي السياسة الكبرى والحروب الرعناء: لا أحد يخرجا سالما.
وبالعودة إلى طرفي الحرب. فإننا الآن على مسافة أسبوع واحد، أو عشرة أيام على الأكثر، لدخول حرب الإرادات على أرض الواقع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى