كتاب وشعراء

حين تصبحين وطنًا للقصائد…..بقلم محب خيري الجمال

عزيزتي ضوء، مساء الخير ،
اليوم الجمعة. عطلتي الرسمية
لا أدري إن كان جسدي عطلاً أم أن العالم كله توقف عن الحركة،
المدينة ميتة، والساعات تنهال عليّ كزجاج محطم،
الذكريات تنهش داخلي بلا رحمة،
تسحبني إلى الشوارع المهجورة،
حيث كل ضوء يذكّرني بأنكِ لم تعودي،
وكل صدى خطواتي يردّ صرخاتي من الصمت،
فتتجمّد دموعي قبل أن تصل إلى الأرض.
أقف وحدي، ظل بلا روح، حطام بلا اسم،
ورغبة تتوه بين الخراب،
بين الخراب وبينكِ.
أخبروني أنني تغيّرتُ، يا ضوء،
أن شيئًا في داخلي صار يُشبه الكلمات حين تتعب من الصمت،
وكأنني انتقلتُ من العيش في العالم
إلى العيش فيكِ.
أمشي كثيرًا في الليل، لا لأنني أحبه،
بل لأن النهار صار يفضح ارتباكي أمامكِ،
كل الطرق تؤدي إليكِ،
حتى تلك التي أحاول الهرب عبرها.
أجمع أفكاري من الأرصفة، وأخبّئها في جيوبٍ مثقوبة،
فتسقط مني عند أول ذكرى،
وتنبت كلماتٍ تحمل ملامحكِ.
لم أعد ذلك الذي كنتِ تعرفينه،
لم أُكمل الحكاية التي بدأتُها معكِ،
تفرّعت الطرق، ووجدتُ نفسي أسير وحدي،
أراقب حياةً كان يجب أن تكون لكِ معي.
أنتِ الآن تضحكين في مكانٍ آخر،
وأنا أتدرّب على نسيانكِ كما لو أنه رياضةٌ يومية،
لكنني أخسر في كل مرة وأعود إليكِ أكثر.
أصدقائي قلّوا،
أو ربما أنا الذي انسحبتُ بهدوء،
لم أعد أثق كثيرًا بالنيات،
ولا بالوعود التي قلتُها لكِ في لحظات الحماس،
كأنني كنتُ أؤجّل الفقد ولا ألغيه.
تعلمت أن أترك المسافات تتكفّل بالباقي،
وأن أصادق وحدتي دون أن أبوح لكِ بذلك.
أنا بخير، على طريقتي الخاصة،
أرتّب فوضاي كما أستطيع،
أضحك أحيانًا أمام المرآة
لأتأكد أنني ما زلتُ قادرًا على تذكّركِ،
ثم أعود لأحمل هذا الثقل الخفيف الذي تركتِه في صدري،
كأنه وطنٌ صغير لا أستطيع مغادرته.
أعيش بين القصائد، كما لو أنها بيتي الأخير،
أعلّقكِ على جدرانه صورةً لا تسقط،
وأرتّب وحدتي على رفوفه
ككتبٍ لا يقرؤها أحد سواي.
أمسح الغبار عن الذكريات بعنايةٍ فائقة،
كأنني أخشى أن يبهت حضوركِ،
أو أن أفقد تفصيلاً واحدًا منكِ يُبقيكِ حيّة في داخلي.
أفتح دفاتر قديمة، فتخرجين منها فجأة،
بضحكتكِ، بصوتكِ،
بكل ما تركتِه معلّقًا في الهواء، كأنكِ لم تغادري،
وكأن الغياب مجرد فكرة لم تكتمل
أصادق التفاصيل الصغيرة،
الكوب الذي نسيتهِ،
النافذة التي كانت تعرف مواعيدكِ،
والصمت الذي صار يعرفني أكثر.
أحاول أن أعيش يومي بشكلٍ عادي،
لكنني أتعثر بكِ في كل زاوية، كأنكِ وطنٌ تسكنه القصائد،
وأنا مواطنٌ لا يجيد الخروج.
يقولون إنني أكتب لكِ وحدكِ،
وكأن اللغة لا تجد طريقها إلا إليكِ،
وكأن الحروف تعترف بكِ قبلي.
أحاول أن أختصر المسافة بيني وبينكِ بجملة،
فتتّسع،
وأحاول أن أخبّئكِ في سطر، فتفيضين على الصفحة،
كأنكِ أكبر من الكلام وأقرب من الصمت.
لا أعرف إن كانت الكتابة تُعيد ما غاب،
أو تُؤجّل خسارته فقط،
لكنني كلما كتبتُكِ شعرتُ أنني أؤسس لكِ وطنًا من كلمات،
وأقيم فيه وحدي،
أحرسه من النسيان وأخاف عليه منكِ.
عزيزتي ضوء،
قولي لي، ولو في غفلةٍ من الصمت:
هل يكفي أن أكتبكِ
كي أبقى حيًّا في ذاكرتكِ؟
أم أن الوطن، حين يُفقد،
لا تعيده القصائد؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى