
قد أبدو متزنًا في عباراتي، تميل كتابتي إلى الرصانة، وتحرص تحليلاتي على مسافةٍ آمنة من الانفعال.
إلا أنني، عند نقطةٍ واحدة، أفقد هذا التوازن تماما… وأختار ألا أستعيده.
أنحاز بوعيٍ كامل ودون مواربة إلى ثورة 25 يناير؛
تلك اللحظة التي لا أراها فقط حدثًا مفصليًا، بل أعتبرها اللحظة الأنقى والأكثر صدقًا في تاريخ مصر الحديث والمعاصر.
من هنا يبدأ مشروع كتابي الجديد.
لا من موقع الحياد، بل من اعتراف صريح بالانحياز.
منذ تلك اللحظة، لم تعد الكتابة بالنسبة لي فعل رصد بارد، بل صارت محاولة مستمرة لفهم ما أسميه “اللحظة الصفر”؛
النقطة التي رغم ما تلاها من انكسارٍ والتباس ما زلت أراها الاختبار الأكثر نقاءً لجوهرنا الجمعي.
لا يتعامل هذا العمل مع يناير كذكرى مؤرشفة، ولا كحدثٍ انتهى، بل كنقطة ارتكاز، ومرآة كاشفة يُعاد من خلالها النظر في كل ما تلاها ،
لا بوصفه امتدادًا لها، بل في كثير من الأحيان كارتدادٍ عنها، أو كمحاولةٍ مستمرة لإعادة تعريفها، وتفريغها من معناها.
تأتي هذه الصفحات بعد أعمالٍ انشغلت بأسئلة الإقليم، واللغة، وبنية الخطاب:
من صراعات الشرق الأوسط، إلى “الأصابع التي لا تُرى” وكيف يلمسنا الكلام، وصولًا إلى فلسطين… حيث غابت الدولة وبقي الخطاب.
لكن هذا الكتاب يعود إلى الداخل؛ إلى تلك اللحظة التي لم تغادرني، والتي أزعم أنها لم تُقرأ بعد بما يكفي من الصراحة والمكاشفة.
يعتمد المشروع على تقارير استقصائية نشرتها عبر منصات مصرية وعربية ودولية، في سياقات زمنية ومهنية متباينة، لكنها تُعاد هنا لا كأرشيف، بل كمادة أولية أُعيد صهرها داخل رؤية واحدة.
رؤية لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تحاول تفكيك ما تلاها: كيف تغيّر الخطاب؟ كيف أُعيد ترتيب المعاني؟ وكيف تحوّلت لحظة الانكشاف الكبرى إلى مادة قابلة للاحتواء وإعادة التشكيل؟
هذا ليس كتابًا عن يناير بقدر ما هو كتاب عن “المسافة” بينها وبين ما جاء بعدها؛
عن الفجوة بين ما بدا ممكنًا، وما فُرض كواقع؛
عن لحظةٍ كشفت كل شيء… ثم بدأ كل شيء، ببطءٍ ومنهجية، يُعاد إخفاؤه.
قد لا يكون هذا العمل محايدًا، لكنه لا يدّعي الحياد أصلًا.
إنه عملٌ واعٍ بانحيازه، ومُصمَّم على الدفاع عن معنى تلك اللحظة، في مواجهة ما تعرّضت له من إعادة تعريفٍ ومحوٍ تدريجي.
بين هذه الصفحات، لا أستعيد يناير كذكرى،
بل أستخدمها كأداة للفهم، وكمعيار للمساءلة،
وربما كمحاولة أخيرة لاستعادة شيءٍ من روحها… ولو على مستوى المعنى.