رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : مخترعو السراب

لا يزال العربي يعتقد ان على المثقف ان يكون محبوباً وهادئاً وليس مشاكساً ومعكراً للسكون العام بل عليه ان يكرس كل جهده لإرضاء الجمهور كما يفعل المطرب وعكس ذلك يُنظر اليه كتهديد وانحراف لوحدة الجماعة.
الاحزاب الشمولية كرست صورة المثقف المنسجم المتصالح وليس المثقف النقدي لانها ترفض اية مرجعية فكرية او ثقافية من خارجها وتحول المثقف من ناقد الى مروج ومسوغ برامج حزبية المبرر لا المفسر والمدجن بعنوان الملتزم لا المحلل وحارس العقيدة من المختلف والمشكك والمستقل الذي يجب ان يكون مصيره الاقصاء او التخوين واذا توفر السجن لكي تبقى سردية واحدة للحياة والتاريخ.
لقد أخفى الحزب الشيوعي الايطالي مخطوطات غرامشي التي تركز على دور الثقافة في التغيير وليس الاقتصاد فقط بعد اعدامه تحت التعذيب عام 1937 وأُفرج عنها نهاية ثمانينات القرن الماضي بعد التحولات العاصفة في دول اوروبا الشرقية التي أثبتت صحة اطروحات غرامشي. كان انطونيو غرامشي قد وجد نفسه في تقاطع نيران بين رفض الحزب وبين النظام الفاشي.
المدعي العام الفاشي قال عبارته الشهيرة أثناء المحاكمة: “يجب أن نمنع هذا الدماغ من العمل لمدة عشرين عاماً”. كان التشهير هنا من الحزب ومن النظام يهدف إلى عزله فكرياً وعليه خوض معركة من داخل السجن على جبهتين.
عام 1958 تم طرد الروائي الروسي بوريس باسترناك مؤلف” الدكتور زيفاغو” لفوزه بجائزة نوبل من اتحاد الكتاب كإعدام معنوي وفسرت الرواية كنقد للنظام ونفي الى قرية نائية وعاش في عزلة لانه كما قال ليس ببغاءً في قفص وعندما مات دفنه نفر من ريفيي المنطقة وقد استعاروا شريط كاسيت موسيقى جنائزية للموسيقار باخ وهم يحملون شاهدة رخامية كتب عليها بناء لوصيته:” الحياة ليست نزهة في حديقة”.
من منظور الاحزاب والنظم الشمولية وظيفة المثقف والكاتب كالشيخ أو الفقيه أو الواعظ والمروج عليه أن يطمئن الجمهور ويقدس أوهامهم لا أن يكون صاحب أسئلة مقلقة تعكر ” وحدة الصف” أو الجماعة وهذه الوحدة البوليسية فرضتها النظم والأحزاب الايديولوجية التي كانت تنظر للمثقف المختلف كعنصر فتنة ومثير شغب وعنصر تبرير وزينة لا صاحب مشروع تغيير .
مكتب التحريض والدعاية في الاتحاد السوفيتي المسمى “أجيتبروب” Agitprop هو في الحقيقة مكتب للتشهير بالمختلفين ومثله في جميع الاحزاب الشمولية وقد برع الحزب الشيوعي العراقي بالتهم الاخلاقية لكل من يختلف معه في الرأي من داخل وخارج صفوفه وقد لقن أجيالاً على هذه العاهات وليس على دراسة الماركسية الخلاقة. كان يعتبر هتك اعراض المختلفين وأسرهم عملية ترويض وعقاب تمشي بين الغوغاء.
مكاتب الديزينفورماتسيا” Dezinformatsiya في موسكو، هي مكاتب “المعلومات الخادعة” خرّجت من الدول النامية أعداداً من الكوادر والمهمة اختلاق قصص، تزوير وثائق، أو صناعة فضائح شخصية لنشرها عن المعارضين بطرق غير مباشرة أو مباشرة كتوجيهات سرية أو مقالات.
كل هذه الاساليب القذرة فضحها الروائي الروسي ألكسندر سولجينيتسن في روايته” أرخبيل غولاغ” بعد سجنه وهروبه من الاتحاد السوفيتي وحصوله على نوبل وكانت الرواية كزلزال ضرب النظام المغلق وهز عرش الامبراطورية خاصة في دول اوروبا لذلك اندلعت حملة تشهير عالمية بتوجيه مركزي ضد الروائي سولجينيتسن تتهمه بالجنون وانه كاثوليكي متعصب ويمكن العثور على بقايا هذه الترهات والتهم في الغلاف الأخير لروايته” يوم من حياة إيفان” الصادرة من دار” المدى”.
مما يؤكد نهاية هذا” المثقف” التبشيري محبوب الجماهير في القرن الماضي هي النهايات المأساوية التي انتهى اليها بحيث لن تجد واحداً من هؤلاء الذين سوقوا مشاريع الوهم وملأوا عالم الكتابة والسياسة ضجيجاً في عالم النشر والكتابة اليوم كما لو انهم اختفوا من الحياة بل بعضهم كتب خطاب الندامة على مرحلة الاستغفال والشعارات والخطابات التي انتهت بمسالخ دموية.
لكنهم تركوا خلفهم جيلاً معاقاً مخصياً عقلياً من الأتباع الصغار الذين وجدوا أنفسهم في ضياع نهاية سقوط زمن الايديولوجيا وبداية عصر الثقافة وفي شيخوخة مقلقة بلا تقاليد ثقافية أو سياسية بل يعيشون على أوهام قديمة ويحاولون الظهور بطبعة جديدة لكن باللغة الشرسة الكلبية الوقحة نفسها التي لا تحاور بل تدين وتوصم وتناور وهي لغة انشائية مدرسية باهتة. هؤلاء هم انقاض وضحايا الاحزاب الثور ـــــــــ ية.
هؤلاء باعة السراب يعيشون على الالبوم القديم عن زمن التخفي والهروب وعبور الحيطان الذي تحول الى تاريخ نضالي من دون أي انجاز ثقافي أو أدبي أو فكري جدي وفي محنة لا يحسدون عليها بعد أن تركوا الحزب نهاية السرديات الكبرى المفسرة كل شيء ولا تفسر شيئا.
لكن لم يتركوا العقلية لأنها نتاج عشرات السنوات من التلقين والتكرار والتبعية حتى حفرت في العقل وتحولت الى بنية عضوية ومن الصعب جداً على هرم معاق العقل تعلم عادة جديدة.
بعض هؤلاء انتقل من السياسة الى الأدب ويطلق عليهم البروفسور والمفكر المغربي عبد الاله بللقزيز في كتابه” نهاية الداعية” لقب” اللاجئون من السياسة الى الأدب” لكنهم خربوا لغة الادب كما خربوا من قبل لغة السياسة.
نقلوا معهم لغة السياسة ومعاراتها الصبيانية الى الأدب بكل سيئاتها وشعاراتها وجعلوا من الانسان ” كائناً سياسياً” مفرغاً من الحياة والمشاعر والدوافع العاطفية العميقة حتى انه يهتف للقضية وهو جريح أو تحت التعذيب وهذه الصور النمطية من بقايا المدرسة الايديولوجية في الأدب التي اختفت نهائياً من عالم الأدب وكانت تسمى ” الواقعية الاشتراكية” وبعض هؤلاء حاول الظهور بطبعة منقحة عن يوميات انصارية نسخة طبق الأصل من المدرسة السوفيتية الانشائية الباهتة المحتفلة بالشفل والمنجل والمكائن التي أفرغت الانسان من انسانيته وملأته بالشعارات والهتافات وتم التخلص منها في حاويات النفايات والعودة الى أدب الزمن القيصري لتولستوي ودويستوفسكي وتيشخوف لأنه تعرض لقضايا الانسان الخالدة بلا أفكار وتحيزات مسبقة وعن الألم البشري والضعف والقسوة والخداع .
الكاتب أو المثقف الباحث عن النجومية هو ممثل فاشل ــــــــــــــ لا تحتاج النجومية اليوم الى موهبة أو كفاءة بل تعرية وتفاهة وبذاءة ـــــــــــ لأن دور المثقف الحقيقي أن يكون التشكيك في القناعات والأوهام والمسلمات التي قادت الى هذا الخراب لا أن يرسخها من خلال بيع الأوهام.
تاريخ ولادة المثقف العربي عكس تاريخ ولادة المثقف الغربي. العربي ولد في قصور السلاطين والملوك ككاتب سيرتهم ومؤرخ حروبهم ومنظم سجلاتهم، أي أن هذه النشأة عكس أمكنة ولادة المثقف الغربي في الصالونات والمقاهي والأندية الثقافية وفي صراع مع كل المؤسسات وكان عنصر رفض وليس عنصر طاعة في الديوان ومع العصور ترسخت صورة المثقف أو الكاتب العربي الوقور والهادئ والمهادن وصاحب الحلول السحرية الوهمية.
حتى في الدول الاسكندنافية المرفهة كالسويد والدنمارك والنرويج التي تطرفت في الحقوق الفردية والحريات ودخلت الى مرحلة ما بعد الحداثة يعيش المثقفون والكتاب في صراع مع المؤسسات ومع الافكار السائدة لأن هذا دور ووظيفة المثقف، فكيف يمكن أن يكون منسجماً مع مجتمعات ممزقة تعاني من انتهاكات وجودية للحياة والكرامة وتواجه القتل كل يوم؟
المجتمع الذي يحلم بمثقف أو كاتب يكون محبوباً من الجماهير هو مجتمع يحتاج الى شيخ وواعظ بعد أن انتقل من حضن القصور الحاكمة الى حضن الايديولوجيا وكرس صورة مزيفة لتاريخ من الأوهام ومن خرج من هذه الصورة كان حالة استثنائية كإبن رشد وإبن خلدون وقد يكون الأخير أول مثقف عربي نقل مكان الثقافة من البلاط والسلطة الى الشوارع ووضع المثقف في مواجهة مع الجمهور وخرج من ثوب الواعظ الى علم الاجتماع. من الاجوبة الجاهزة الى الاسئلة المقلقة. من القناعة الى الشك والتفكيك. من القبول الى الرفض.
كانت نهاية ابن رشد كما هو متوقع النفي وحرق كتبه لأنه رفض كسب رضا السلطة والعامة وأما نهاية إبن خلدون فهي الإغتراب والهروب من نار المغرب الى جحيم المشرق ومات في القاهرة ودفن في مقابر الصوفية وقبره اختفى في الخراب الذي توقعه عند انهيار الدول.
لقد تماهى، ميتاً، مع توقعاته في زوال الدول في الظلم والترف. إختفى الملوك لكن عاشت” مقدمة إبن خلدون” خالدة في الثقافة الانسانية كمنارة مضيئة في صحراء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى