
يُعلّمنا التاريخ أن الحرب قد تكون مكلفة من حيث الأرواح البشرية، والأموال، والموارد، والمعنويات، والأمل. وبسبب هذه الحقيقة، يرى منظرو العلاقات الدولية أن الحرب، وأسبابها، وسلوكها، مواضيع بالغة الأهمية لفهمها. ولذلك، طوّر الباحثون نظريات للتعامل مع العالم والنظر إليه من منظور الحرب والسلام. وتُسلّط هذه النظريات الدولية الضوء على عوامل مختلفة قد تُساعد في تفسير أسباب نشوب الحروب.
في هذا السياق تقدم الواقعية إرشادات عملية حول أسبا الحرب وكيفية منعها. وتزعم أنه نظرا لوجود الدول ذات السيادة في نظام فوضوي، فإن الحرب أمر لا مفر منه. كما يمكن ان تكون الحرب إجراء استباقي تتخذه الدولة لمنع دولة أخرى من ان تصبح قوية الى درجة تهدد بقائها.
أما الليبراليون، فهم أكثر تفاؤلا من الواقعيين. فهم ينظرون الى العلاقات الدولية في شكلها التعاوني وليس النزاعي انطلاقا من تبنيهم لفكرة السلام الديمقراطي والتسليم بعدم خوض الدول الديمقراطية الحرب ضد بعضها البعض. أما سبب خوض الحروب عند هذا التيار فيتمثل أساسا في تصميم دولة ما على الانضمام إلى مؤسسة دولية وبالتالي تقويض مصالح دولة أخرى. خير مثال على ذلك: الحرب الروسية – الأوكرانية.
بالمقابل، تزعم البنائية أن الدول تخوض الخروب لأسباب هوياتية وكيف تنظر إلى نفسها وإلى بعضها البعض. لتدعيم أطروحتهم يقدمون موقف أمريكا من انتشار الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية.
تزامنا مع هذا الطرح البنائي، برت أطروحات: نهاية التاريخ وصدام الحضارات وإغفالهما لتعقيدات تلك الحقبة. حيث أخطأ كل منهما في تقدير كيفية ازدياد ترابط المجتمعات، وفي نفس الوقت تزايد تشرذمها. فالتحدي الأكبر، ليس صراع الحضارات ولا تعميم الليبرالية بقدر ما هو رفض الولايات المتحدة التكيف مع التحولات البنيوية الجديدة ومنطق التاريخ حسب ما اوضحه “بول كيندي” في كتابه: صعود وسقوط القوى العظمى.
هذا ما حاول توضيحه الأستاذ الصيني- الكندي “جيانغ المثير للجدل في إجابته عن السؤال المحوري الذي شغل جميع متابعي الشأن الدولي: لماذا هاجمت الولايات المتحدة إيران؟ السؤال، الذي يعتبره اللغز الأكبر في عصرنا بتوظيفه لكل الرؤى السلفة الذكر.
فحتى الآن، وبعد سقوط القنابل، لم يُقدّم ترامب للعالم إجابة واضحة. وأعتقد أنه ما لم نفهم جيدًا المنطق الكامن وراء هذه الحرب، سيصعب علينا إدراك حجم المخاطر الحقيقية.
في هذا السياق قدم “جيانغ” ثلاثة تفسيرات رئيسية. وهذه ليست آراء شخصية، بل هي الأطر الثلاثة التي نستخدمها لفهم سلوك الإمبراطوريات.
الأول هو الجغرافيا السياسية، والثاني هو علم الآخرة ، والثالث هو انحطاط الإمبراطوريات.
والمثير للاهتمام، بل والغريب حقًا، أن هذه التفسيرات الثلاثة، على الرغم من اختلافها ظاهريًا، تصل في النهاية إلى النتيجة نفسها.
1- التفسير الجيوسياسي:
وفقًا لهذا الإطار، فإن أكثر ما تخشاه أمريكا هو تحالف كبير بين روسيا والصين وإيران.
لأن هذه الدول الثلاث إذا اتحدت وتبادلت التجارة فيما بينها، فبإمكانها تغطية كامل مساحة أوراسيا، بما في ذلك أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا والهند، ويمكنها فعل ذلك باستخدام خطوط السكك الحديدية البرية التي بنتها الصين. هذا يعني أنها لن تحتاج إلى المحيط، ولن تحتاج إلى القوة البحرية الأمريكية، بل يمكنها ببساطة تجاوز أمريكا تمامًا. وهذا كارثي بالنسبة لدولة مثقلة بديون تبلغ 39 تريليون دولار. لأن الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها أمريكا سداد هذا الدين هي إجبار العالم على شراء سندات الخزانة الأمريكية، والطريقة الوحيدة لإجبار العالم على شراء هذه السندات هي السيطرة على موارد الطاقة العالمية.
لذا، إذا تم القضاء على إيران، فسيتم سحب ما يقارب 20% من إمدادات الطاقة العالمية بين عشية وضحاها.
أوروبا بحاجة إلى الطاقة، واليابان بحاجة إلى الطاقة، والصين بحاجة إلى الطاقة، لذا فهي مُجبرة على العودة إلى الدولار، ومُجبرة على شراء الديون الأمريكية. في الوقت نفسه، من خلال تحييد إيران، تُحكم أمريكا قبضتها على أهمّ نقاط الاختناق في العالم: مضيق هرمز، ومضيق ملقا، ورأس الرجاء الصالح. بالسيطرة على هذه النقاط، تُسيطر أمريكا على التجارة العالمية، وإذا سيطرت على التجارة العالمية، فإن أي دولة ترغب في الموارد، أو النفط، أو الغذاء، أو السلع المصنّعة، ستضطر إلى اللجوء إليك، والامتثال لقواعدك، ودفع ديونك. لذا، فإن التعامل مع إيران ليس عشوائيًا، بل هو في الواقع مدروس بدقة؛ إنه يهدف إلى ترسيخ بنية الإمبراطورية الأمريكية في لحظة بدأت فيها هذه البنية بالتصدّع. هذا هو السبب الأول.
2 علم الآخرويات:
ليست استعارة، ولا شعرًا، إنها خارطة طريق ليبرالية لنهاية التاريخ. وفقًا لهذه الخارطة، تؤدي حرب في الشرق الأوسط إلى إعادة بناء الهيكل الثالث في القدس، الأمر الذي يتطلب تدمير المسجد الأقصى، ثالث أقدس موقع في الإسلام، مما يُشعل حرب يأجوج ومأجوج التي تؤدي بدورها إلى ظهور المسيح الدجال. ثم يعتمد الأمر، بحسب ما إذا كنت مسيحيًا أم يهوديًا، على المجيء الثاني للمسيح أو ظهور المسيح اليهودي.
أعلم ما تفكرون به الآن: هذا مجرد كلام متطرف، هؤلاء مجرد قلة من المتطرفين. لكن هذا غير دقيق. فلو نظرتم إلى المحيطين بترامب، وإلى القاعدة الإنجيلية، وإلى الحركة الصهيونية المسيحية في أمريكا، لوجدتم أن هذه الأفكار ليست متطرفة فقط، بل هي السائدة، وهي التي تُسيّر السياسات. إنهم يحشدون التبرعات، ويحشدون الأصوات، وهذا أمرٌ بالغ الأهمية لأنه يعني أنهم أشخاصٌ في مواقع نفوذ حقيقية، ويرغبون بصدق في تصعيد هذه الحرب. وهنا يكمن غرابة الأمر.
يصف علم الأخرويات الإسلامي وعلم الأخرويات الأرثوذكسي الروسي تسلسل الأحداث نفسه تقريبًا. فلدينا إيران وروسيا وأمريكا وإسرائيل، أربع دول متورطة حاليًا في هذا الصراع، وكلها تعمل وفقًا لنص نبوي متشابه. وبطرقٍ عديدة، تعمل جميعها، بوعي أو بغير وعي، نحو نفس المصير، وهو أمرٌ مقلقٌ للغاية عند التفكير فيه، لأنه يعني أن الأشخاص على طرفي نقيض في هذه الحرب قد يتعاونون فعليًا على مستوى السرد، على مستوى القصة، حتى وإن لم يعترفوا بذلك أبدًا.
3- انحدار الامبراطوريات:
هو الأكثر واقعية، وبصراحة، الأكثر إثارة للقلق. فعندما تنهار الإمبراطوريات، لا تنهار بهدوء، بل تتصدع من الداخل، وينعكس هذا التصدع على الخارج.
يحدث التصدع الداخلي لثلاثة أسباب:
السبب الأول هو هيمنة القطاع المالي:
حيث تستحوذ فئة قليلة من الناس على رأس المال، مما يُجبر الآخرين على الاستدانة، ويصبح المضاربة هي السبيل الوحيد لبقاء عامة الناس.
يستثمر الناس في العملات الرقمية، ويتاجرون بالعقارات، ويتداولون يوميًا، ليس رغبةً منهم، بل لعدم وجود طريقة شريفة لبناء الثروة بالعمل وحده. وهذا يؤدي إلى الفساد، وعدم المساواة، والاستياء، وفي النهاية إلى نوع من العبودية الاقتصادية، حيث يعمل معظم الناس فقط لسداد ديونهم.
السبب الثاني هو الانهيار الديموغرافي:
يتوقف الشباب عن إنجاب الأطفال، ويعيش كبار السن لفترة أطول، مما يُرتب عبئًا هائلاً على المعاشات التقاعدية لا يستطيع النظام تحمله. ولملء النقص في الأيدي العاملة، تستقدم الإمبراطورية ملايين المهاجرين للقيام بالأعمال التي لا يرغب أحد في القيام بها. تُؤدي هذه الظاهرة إلى توترات عرقية، واحتكاكات ثقافية، وشعور عميق لدى السكان الأصليين بأنهم يُستبدلون. لا أقول إن هذا صواب أو خطأ، بل أصف الديناميكية فحسب. لأن هذا التوتر يتحول إلى وقود سياسي، ويستغله السياسيون، مما يزيد الإمبراطورية اضطرابًا.
السبب الثالث هو ما يُسميه المؤرخون: فرط إنتاج النخب:
عدد كبير جدًا من الطموحين المتعطشين للسلطة يتنافسون على عدد محدود من المقاعد. ولأن السلطة، بحكم تعريفها، لعبة محصلتها صفر، فإن هذه النخب تنقلب على بعضها. فهي تمول الفصائل المتناحرة، وتُسخّر المؤسسات كسلاح، وتستخدم وسائل الإعلام والمحاكم وأجهزة الاستخبارات كأدوات للحرب الفصائلية. هذه الحرب الأهلية الداخلية تُحوّل مسارها في النهاية إلى الخارج. وبدلًا من معالجة مشاكلها الداخلية، تُقدم الإمبراطورية على عملٍ درامي في الخارج.
تغزو فنزويلا، وتُهدد كندا، وتتحدث عن ضم غرينلاند، وتهاجم إيران. ليس لأن إيران تُشكل تهديدًا وجوديًا، بل لأن الإمبراطورية تتفكك من الداخل وتحتاج إلى متنفس لهذه الطاقة. يحتاج إلى عدو، يحتاج إلى تشتيت الانتباه، يحتاج إلى حرب.
والآن، إليكم ما أريدكم أن تتأملوه: تبدو هذه التفسيرات الثلاثة وكأنها تتنافس فيما بينها، وكأن عليكم اختيار أحدها: إما الجغرافيا السياسية، أو الدين، أو انحسار الإمبراطوريات.
لكن الأمر ليس كذلك. فهي لا تتنافس، بل تُعزز بعضها بعضًا، وتتراكم فوق بعضها. فالمنطق الجيوسياسي، والرؤية الأخروية، وديناميكيات انحسار الإمبراطوريات، كلها تشير إلى النتيجة نفسها: حربٌ تتسع رقعتها في الشرق الأوسط، وشخصيةٌ كاريزميةٌ تصعدُ لتوحيد العالم أو تقسيمه، وانهيارُ النظام المالي القائم، وظهورُ نظامٍ جديدٍ من بين الأنقاض ليحل محله. وهذا تحديدًا ما يجعل اللحظة الراهنة ذات أهمية تاريخية بالغة، لأنه في التاريخ عادةً ما تتواجد إحدى هذه القوى في آنٍ واحد: إما انحسارُ إمبراطورية، أو إعادةُ تنظيمٍ جيوسياسي. أما الآن، فالثلاثة تجتمع في آنٍ واحد، وتغذي بعضها بعضًا.
يُهيئ انحسارُ الإمبراطوريات الظروفَ اللازمة للتحول الجيوسياسي، ويُفعّل هذا التحول الجيوسياسي الخيال الأخروي، الذي بدوره يمنح الناسَ التبرير النفسي للقيام بأمورٍ تبدو في غير ذلك غير منطقيةٍ تمامًا.
مثل شن حربٍ على دولةٍ يبلغ تعدادُ سكانها 90 مليون نسمة دون أي خطةٍ للخروج. لذا، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا هاجمت أمريكا إيران؟ بل: لماذا الآن؟ أعتقد أن الإجابة هي: الفرصة سانحة، وأمريكا تدرك أنه إذا انتظرت عشر سنوات أخرى، سيصبح محور روسيا والصين وإيران أقوى من أن يُواجه عسكريًا.
سيفقد الدولار مكانته كعملة احتياطية، وسيفقد سوق سندات الخزانة مشتريه، وسينهار النظام المالي الذي يدعم قوة أمريكا تدريجيًا. لذا، من وجهة نظر المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين، إذا كنت ستتحرك، فعليك التحرك الآن، ما دمت تملك حاملة الطائرات، وما زال الدولار لديك، وما زالت التحالفات قائمة. حتى لو لم يكن التبرير واضحًا، حتى لو لم يوافق العالم. عليك التحرك لأن البدائل هي التهميش البطيء. وهذا في الواقع ما تفعله الإمبراطوريات دائمًا في حالة الانحدار. فهي لا تقبل بالانسحاب التدريجي، بل تُضاعف جهودها، وتُقدم على مخاطر لا تُقدم عليها الإمبراطوريات القوية أبدًا. لأن الإمبراطوريات القوية لا تحتاج إلى ذلك. لكن الإمبراطوريات المتراجعة تُصبح خطيرة، لا يُمكن التنبؤ بها، ومستعدة للمقامرة، وهذه هي أمريكا التي نراها الآن.
يجب أن نكون واضحين بشأن هذا. لا نقدم هذا دفاعًا عما حدث، ولا إدانةً له. ما نحاول فعله هو تزويدكم بإطار عمل، وطريقة لفهم العالم بما يتجاوز العناوين الرئيسية. فإذا اقتصرنا على قراءة الأخبار، وعلى اتباع التفسيرات الرسمية فقط، فإننا تشاهد الظلال على جدارٍ خفيّ. أننا نرى الصورة الظاهرية لا المصدر الحقيقي. وما أريد فعله هو أن نعود إلى صلب الموضوع، وننظر إلى ما يُلقي هذه الظلال فعلاً. لأن الأمر هو أن متخذي هذه القرارات ليسوا أغبياء، وليسوا أشرارًا فحسب، بل إنهم يعملون وفق منطق جيوسياسي، وآخري، وإمبريالي في آنٍ واحد.
وما لم نفهم هذا المنطق، فلن تستطيع التنبؤ بما سيحدث لاحقًا، ولن تستطيع حماية أنفسنا، ولن تستطيع فهم العالم الذي تعيش فيه.
لا أقول إن أيًا من هذا مؤكد، بل قد يكون معظمه خاطئًا. لكن الهدف ليس تقديم الإجابة، بل التزود بمجموعة أفضل من الأسئلة، وإطار عمل يمكننا اختباره في ضوء الواقع، وعدسة يمكن استخدامها لمراقبة ما سيحدث لاحقًا، ثم نسأل أنفسنا عما إذا كان ذلك منطقيًا. لذا وجب التفكّير في هذا بحثا عن موضع الخلل. لأن أي إطار عمل لا يتشكل إلا بوجود من هو مستعد لتحديه. وأخطر ما يمكننا فعله الآن، في هذه اللحظة، في هذا العالم، هو التوقف عن السؤال: لماذا لسبب بسيط وهو: أعتقد أن العالم، وعكس ما يدعيه الكثير من المحللين قد وقع في فخ “شارلز كايندلبرغر ” وليس فح ” ثوسيديدس”.