رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :مضيق هرمز لم يعد كما كان: من سلاح إيراني إلى مساحة رمادية تُدار بالقوة

في الشرق الأوسط، لا تُعلن التحولات الكبرى عبر البيانات الرسمية، بل تظهر في المساحات التي تتناقض فيها الروايات دون أن تتصادم مباشرة.
خلال ساعات قليلة، خرجت قراءتان مختلفتان تمامًا حول Strait of Hormuz: الأولى منسوبة لقيادة بحرية في الحرس الثوري الإيراني، تتحدث عن مضيق مفتوح لكن بشروط ومسارات تحددها طهران وتحت إشرافها الكامل، والثانية منسوبة إلى Donald Trump، ترسم صورة اتفاق يقترب من تفكيك البرنامج النووي الإيراني وفتح كامل وغير مشروط للممر الملاحي.
التفسير السطحي يذهب إلى أن أحد الطرفين يبالغ أو يناور، لكن القراءة الجيوستراتيجية الأكثر دقة تقول إن ما يجري ليس صراع روايات بقدر ما هو توزيع أدوار داخل مرحلة انتقالية يُعاد فيها تعريف قواعد الاشتباك نفسها.
إيران لم تعد بحاجة إلى إغلاق المضيق كما كانت تهدد سابقًا، لأنها انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيدًا: تحويله من ممر دولي حر إلى ممر مُدار، حيث تستمر الملاحة لكن وفق شروطها، وهو تحول ينقل مركز الثقل من “المنع” إلى “التحكم”، ومن السلاح المباشر إلى إدارة التدفق، بما يحقق نفس التأثير دون كلفة الحرب.
في المقابل، لا تبدو واشنطن في موقع فرض استسلام كامل كما توحي به تصريحات Donald Trump، لأن بنية النظام الإيراني وسلوكه التفاوضي لا تسمحان بانهيار بهذه السلاسة، ما يرجّح أن ما يُطرح هو سقف تفاوضي مرتفع أو محاولة مبكرة لبناء سردية نصر سياسي قبل اكتمال أي اتفاق فعلي.
النتيجة أننا لسنا أمام اتفاق مكتمل ولا مواجهة مفتوحة، بل أمام حالة وسطية أكثر خطورة: إعادة هندسة تدريجية لقواعد الاشتباك في الخليج، حيث لا تُغلق إيران المضيق لكنها تتحكم في إيقاعه، ولا تكسرها الولايات المتحدة عسكريًا لكنها تُبقي عليها تحت ضغط اقتصادي واستراتيجي مستمر، لتتحول المنطقة إلى نموذج “توازن ردع منخفض الشدة” تُدار فيه القوة دون إعلانها.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن فصل المسارات بين الملف الإيراني وملف Lebanon وHezbollah طرحًا تكتيكيًا أكثر منه توصيفًا حقيقيًا، لأن أي تخفيف للضغط في هرمز ينعكس تلقائيًا على قدرة طهران على إعادة ترتيب نفوذها الإقليمي، بما في ذلك الساحة اللبنانية، حتى لو تم تسويق ذلك كملف مستقل.
في اعتقادي أن مضيق هرمز لم يعد د كما كان: لم يعد سلاحًا تهدد به إيران العالم عبر الإغلاق، ولم يعد أيضًا ممرًا حرًا بالكامل كما تفترضه الرؤية الأمريكية، بل أصبح مساحة رمادية تُدار فيها المصالح عبر قواعد غير معلنة، وتُعاد فيها صياغة مفهوم السيادة نفسه بعيدًا عن الحروب المباشرة، حيث لا أحد ينتصر بشكل كامل ولا أحد يُهزم، لكن الجميع يُجبر على التكيف مع واقع جديد عنوانه: السيطرة دون إعلان، وردع دون مواجهة، ونفوذ يُمارس عبر إدارة الحركة لا منعها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى