
وصل النظام السياسي العراقي الى طريق مغلق وستكون السنوات الاربع القادمة نهاية الدولة المتماسكة شكلياً وفي الواقع مفتتة ومقسمة وتدار حسب نظام محاصصة ونظام عرقي.
لم يدرك العراقي حتى اليوم وبعد كل سنوات التفتيت والتصدع والتلاعب والتحكم من الولايات المتحدة الامريكية ومن الجيران ومن الدول الاوروبية ومن اسرائيل ومن الاحزاب المحلية ان تركيبة النظام السياسي وليست أخطاء الأفراد والجماعات، هذه التركيبة منتجة للفساد المالي والاداري والسياسي والأمني لأن الفساد هيكلي ومؤسساتي ولا ينتهي بأعمال ترقيع كعقاب أشخاص أو جماعات.
وفي حالات تتم محاسبة ومعاقبة أفراد للإيحاء ان القانون مطبق على الجميع وفي الحقيقة هذه من الحيل الالتفافية للتغطية على الفساد الأكبر الذي تحول الى مافيات وقوى ضغط ومصارف وعقارات وحلفاء والخ.
تركيبة النظام هي المرض وباقي المساوئ هي الاعراض منذ تمت صياغة هذا النظام على أساس طائفي عرقي وليس الدولة الوطنية وتفتيت الولاء على أسس معروفة وغياب الدولة المركزية وسيطرة الكيانات الفرعية.
نظام التوافق بين المكونات يجعل الرقابة تخادمية قائمة على الصمت المتبادل في ملفات الفساد الأمر الذي حول الفساد من جريمة الى طريقة عمل باردة روتينية والى صفقات وتسويات وتبادل منافع ومصالح، وفي نظام من هذا النوع يتحول القضاء الى أداة سياسية تحمي مصالح الأطراف وليس العدالة عندما تسيس الملفات القضائية.
عندما يكون النظام نفسه تأسس على قواعد مختلة، فلا يغير الواقع تغيير الأفراد بل العكس سيعمل على” تلقيح” النظام نفسه بعمر إضافي يشعر فيه المواطن النزيه بالغربة لأن البنية الجوهرية للنظام فاسدة ولا تنفع عمليات المساج لمرض عضال ولا اعادة صبغ النظام بطلاء جديد مع بقاء الجيفة مخفية.
تحول الفساد السياسي والمالي الى خيار عقلاني متفق عليه وقاعدة عمل وبقاء وتوزيع ثروة الدولة على احزاب وجماعات في فساد مشرعن. في مؤسسات الدولة كافة تمتلك الاحزاب لجان خاصة لمشاركة العقود والصفقات وتوزيع المناصب وبما ان الاقتصاد العراقي ريعي قائم على النفط والدولة المصدر الوحيد للثروة، يتحول الصراع السياسي الى صراع للوصول الى مصدر الثروة ـــــــــــ السلطة لكن بشعارات الإصلاح.
منذ الاحتلال عام 2003 كان أهل القلم ونخب الاعلام والثقافة يدبجون المقالات المليئة بالنصائح والاقتراحات للنظام السياسي عن كيف يجب أن تُدار الامور عن جهل مروع وخطير في ان النظام لا يقرأ ولا يكتب وهؤلاء في الواجهة مجرد دمى محلات مانيكان، والنظام متشابك في السراديب تشابك انياب الكلب وهو من يقرر من خلف الكواليس بل من يقرر صرف الراتب والكهرباء وكل التفاصيل.
لم يحدث ولا مرة واحدة وبالمطلق وطوال كل السنوات أن قدمنا اقتراحاً للنظام حول قضية ما لأننا نعرف بدقة مجهرية كيف تأسس النظام ومن أسسه ومن يتحكم به وما هي الأهداف. لسنا سذجاً لكي نكتب نصائح لسلطة أشباح تدار من سراديب وأنفاق ودول وسفارات ومخابرات وجيوش. هذه مهمة البلهاء وعشاق الجداريات والشعارات.
ثقافة التخادم السياسي وغلق ملف مقابل غلق ملف آخر والانتخابات مؤسسة على اعادة انتاج النظام نفسه والبنية الأساسية للدولة تفككت والعراقي نايم ورجليه بالشمس تنطبق عليه اهزوجة:
” نايم يا شليف الصوف، نايم والبعورة تحوف” عن الزوجة التي تردح عند رأس زوجها النائم كشليف الصوف عند شروق الشمس عندما اكتشفت ان اللصوص سرقوا المنزل. الفارق ان شليف الصوف لم يعد فرداً بل شعباً.
وهذا ليس كلام اليوم بل يرجع الى مئات المقالات منذ عام 2003 حتى اتهمنا البعض بالسوداوية ورؤية النصف الفارغ من الكأس والجانب السلبي وتحول بعض السفهاء الى اطباء في علم النفس والتشخيص عن بعد وغير ذلك من هراء العقل المسطح المانوي الثنائي الساذج ـــــــــ الأبيض والأسود ــــــ بل غالبية مقالاتنا كنت تحذر من الوصول الى هذه النتيجة وكنا نكرر عبارة ان هذا النظام والمجتمع كقطار مات سائقه والمحطة الاخيرة للارتطام الاخير.
لقد غير اللصوص التقنية هذه المرة وجاؤوا بلص من الظلام وأخطر اللصوص هو “القادم من الظلام” من كان يسرق في الخفاء والعتمة وشعب يعشق المظاهر وهذا الشعب ليس ضحية بل شريكاً. سيكتب التاريخ يوما ان العراق، الوطن التاريخي، دمره طاغية أرعن ولصوص حفاة بعناوين مزورة.
اللص التقليدي السابق في السلطة سرق في العلن وانكشف لكن اللص الجديد القادم من الظلام يسرق الثقة وعادة يحاول المجتمع بناء مصدات وجدرانا وغلق الأبواب في وجه اللصوص المعروفين لكن تبقى الأبواب مفتوحة للص المقنّع بشعارات الاصلاح والتقوى وسيكون واجهة وقناعاً للّصوص القدماء للسرقة من خلف ستار وحماية من المحاسبة.
إن كل ما يحتاجه اللصوص القدماء اذا خسروا الموقع الاول في السلطة هو القدوم بلص من الظلام غير معروف من المؤسسة نفسها لحمايتهم من المساءلة والعقاب ومن الانفع أن يكون بلا أتباع ولا جماهير لكي يتم التلاعب به كرهينة و التهديد بفتح سجلات سرقاته المخفية لأن اللصوص يعرفون بعضهم. هذا اللص المنقح والمحسن القادم من قلب الظلام وخبير التخفي أفضل ضمانة لهؤلاء من المساءلة والعدالة والعقاب.
يتوهم من يعتقد ان هؤلاء يعشقون السلطة والسياسة بل هم الان بعد الغنيمة أكثر كرهاً لها لكنهم يمارسون السياسة والسلطة كحاجز وحارس وحماية.
يقول ميكافيلي “ليس من الضروري أن يمتلك الحاكم كل الصفات الحميدة، ولكن من الضروري جداً أن يبدو وكأنه يمتلكها”،
وهذا هو المطبق اليوم عندما يتكلم الجميع عن القانون والنزاهة كما تكلم من سبقوهم عن الحرية والاشتراكية كستار من الدخان لجرائم وحشية.
لك أن تهدأ الآن، العراق إنتهى.
ـــــــــــــــ شليف الصوف هو كيس الخيش الذي يعبأ فيه الصوف والبعورة هنا اللصوص وتحوف تسرق.
ـــــــــــ لك أن تهدأ الآن: أن تستريح إلى الشجر الشهم، أن تستريح إلى نفسك: قصيدة للشاعر سعدي يوسف.
ـــــــــ في 2003 / 11 / 6 نشرنا مقالة” العراق نحو الهاوية” من سلسلة مقالات قبل وبعد هذا التاريخ بالمئات عن عملية تدمير العراق على مراحل.
ــــــــ أرح ركابكَ من أينٍ ومن عثَرِ ــــ كفاك جيلانِ محمولاً على خطر ـــ كفاك موحشُ دربٍ رُحتَ تَقطعهُ ــــ كأنَّ مغبرَّة ليل بلا سحَرِ* الجواهري.