رؤي ومقالات

ايهاب شوقي يكتب : المناورات المصرية في سيناء بين المحتمل والمأمول ؟!

المناورات المصرية في سيناء بين المحتمل والمأمول .!!

إيهاب شوقي  / مصر

حفلت وسائل الإعلام الصهيونية وأروقة وكواليس الأمن القومي في الكيان بتحليلاتٍ ومخاوف من إجراء الجيش المصري لمناوراتٍ عسكريةٍ في سيناء، وعلى بعد نحو 100 متر فقط من السياج الحدودي، وهو ما يعني اقترابًا خطيرًا من المستوطنات الصهيونية وتموضعات جيش الحرب الصهيوني.

وهذه المناورات، وإن كانت تخالف في شكلها اتفاقية (السلام) وبنود كامب ديفيد، إلا أنها لا تتم إلا بتنسيقٍ بين اللجان المصرية والصهيونية المعنية بمراقبة وتنفيذ البنود، وهي بالتالي تُعدّ من الاستثناءات المتفق عليها، لا سيما في حالات الطوارئ.

ولكن، ورغم هذا التنسيق، فإن اختيار مكان المناورة بهذا القرب من السياج الحدودي، وكذلك تكتيكات المناورة العسكرية والتوقيت، بدت كلها أمورًا لافتةً ومقلقةً للكيان، كما أنها تتطلب بالفعل تأمّلًا وتحليلًا، لأنها لا تخلو من الرسائل والدلالات.

وهنا يمكن تناول هذا الحدث الهام واللافت عبر عدة عناوين مختصرة:

1- السياق والتوقيت ودلالاته

تجري المناورات المصرية في سياق حربٍ إقليميةٍ بين الكيان الصهيوني وأميركا من جهة، وإيران ومحور المقاومة من جهةٍ أخرى، وفي ظل أزمةٍ اقتصاديةٍ عالميةٍ متفاقمة بسبب حصار مضيق هرمز، وأوضاعٍ سياسيةٍ متوترة بين دول الخليج ومصر، عقب ما اعتبرته دول الخليج خذلانًا مصريًا لهم وموقفًا متواضعًا لا يليق بالدعم الذي قدمته هذه الدول لمصر، وصلت معه الأمور إلى اتهاماتٍ خليجيةٍ لمصر بأنها تصطف في المحور الإيراني.

كما تم رصد عدة شواهد أخرى لافتة، مثل الدعم الشعبي المصري لإيران، والفرحة المعلنة بسقوط الصواريخ على الكيان، والشكر الموجّه من القائم بأعمال السفارة الإيرانية في القاهرة للشعب المصري على دعمه ومناصرته لإيران، وكذلك بعض الشواهد الرسمية والإعلامية عبر تصريحاتٍ ومقالاتٍ لمحسوبين على النظام ترفض العدوان على إيران وتحذر من مشروع “إسرائيل الكبرى”.

كما جاءت زيارة وزير الخارجية المصري إلى لبنان وزيارته للنازحين، وما رشح مؤخرًا عن دعوة مصر السلطةَ اللبنانية للتروّي وعدم التفاوض المباشر مع “إسرائيل”، وكلها مواقف تشي بتوافقٍ مصري مع الخط العام للمقاومة.

وكان التوقيت لافتًا، حيث أعقب ما بدا فشلًا لمفاوضات غزة، وإصرار العدو “الإسرائيلي” على التنصّل من التزامات وقف إطلاق النار، والاستمرار في قتل الفلسطينيين ومنع المساعدات، وما يبدو إصرارًا على الدفع نحو التهجير بتحويل غزة إلى مكانٍ لا يصلح للعيش، ومكانٍ قابلٍ للقتل والموت أكثر من قابليته للحياة، وهو ما يجعل هذه المناورات، للوهلة الأولى، موجّهةً للردع وذات صلةٍ مباشرةٍ بقضية التهجير والخط الأحمر المصري المعلن في هذا الشأن.

كما أن التوقيت أيضًا، المتعلق بتعثّر الكيان في الحرب البرية على لبنان، وتشتّت جبهاته، والتذمّر في جيشه، والخلاف المعلن بين رئاسة الأركان والحكومة، وكذلك التظاهرات والغضب في الجبهة الداخلية على خلفية التجنيد، وهذه العوامل المتضافرة في خلق أزمةٍ مجتمعيةٍ وسياسيةٍ وعسكرية، كلها تضع الكيان في وضعٍ هش، تصبح معه هذه المناورة المصرية أقوى تأثيرًا وأبلغ في إيصال الرسائل.

2- التفسير “الإسرائيلي” للمناورات

تعددت التحليلات الصهيونية لهذه المناورات، ولكنها بدت متفقةً على أنها تذكّر بمناورات حماس قبل أيامٍ من اندلاع طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، وأن هذه المناورات تعيد تذكير الجماهير بهذا الكابوس، كما أبدت التحليلات دهشتها من مكان المناورات وقربها من السياج رغم اتساع مساحة سيناء.

ولكن التفسير “الإسرائيلي” الأشهر لهذه الخطوة المصرية، تم تعليله بأنه نتاج أزمة مصر الاقتصادية وانقطاع التمويل الخليجي، وأن هذه الخطوة جاءت للضغط على “إسرائيل” وأميركا وابتزازهما لمساعدة مصر، والضغط على الخليج لعودة التمويلات.

3- احتمالات أخرى متعددة

وبعيدًا عن التفسير الصهيوني، فإن هناك عدة احتمالاتٍ أخرى لا يجب إغفالها، ويمكن رصد بعضٍ منها:

الأول: أن هناك قراءةً مصريةً لتغيراتٍ جيوسياسيةٍ واستراتيجيةٍ بعد الحرب مع إيران، وأن مصر لا بد أن تحجز مكانًا لها بالإقليم وألا يتم استبعادها من أي تسويات. ونظرًا لأن التوازنات والمراكز الإقليمية يتم ترتيبها عبر القوة، فإن مصر لا بد أن تبرز قوتها وأنيابها، حتى لا تضيع من الحسابات ولا تخرج خالية الوفاض.

الثاني: أن يكون لدى مصر قراءةٌ بأن المنطقة مقبلةٌ على مزيدٍ من التصعيد، وأن العدو “الإسرائيلي” قد ينتهز فرصة الزخم العسكري والمشاركة الأميركية بتمرير التهجير إلى سيناء، خاصةً وأنه من ضمن أدبيات مشروع “إسرائيل الكبرى”، وبالتالي هي رسالة ردعٍ وتثبيتٍ للخط الأحمر المصري.

الثالث: أن تكون رسالةً للخليج لتخفيف التوتر، عبر بيان أن مصر منشغلةٌ بأمنها القومي، وأنه لا توجد فرصٌ للمساعدة العسكرية التي تطلبها دول الخليج، وأن مصر لديها أولوياتٌ كبرى خطيرة، وليس منها العداء أو الصدام مع إيران، وبالتالي تخفيف حالة السخط الخليجية.

الرابع: في ظل أزمةٍ اقتصاديةٍ مصريةٍ كبيرة، فإن الأمور لا تحتمل شبهاتٍ واتهاماتٍ لمصر بالتخاذل السياسي والضعف والتناقض مع المزاج الشعبي المعادي للكيان، وبالتالي هو نوعٌ من خلق التقارب بين السلطة والشعب على خلفية خطرٍ وحربٍ محتملة، ولا يجب أن يعلو أي صوتٍ فوق صوت المعركة.

4- الحقائق الثابتة

وبالرغم من تعدد التفسيرات والاحتمالات، إلا أن هناك حقائق ثابتة، وهي محل اتفاق وفقًا لجميع السيناريوهات، وهذه الحقائق أهمها:

أولًا: أن حالة العداء مترسّخة بين مصر والكيان الصهيوني، وأن العقيدة العسكرية المصرية تعتبر الكيان هو العدو الأول، ومهما كان موقف السلطات سياسيًا، فإن هذا العداء يبقى من الثوابت التي تتمحور حولها السياسات، إما بالتهدئة والمهادنة، وإما بالتصعيد والوصول لحافة الهاوية، بل والحرب عند الوصول إلى تجاوز الأسقف والخطوط الحمراء.

ثانيًا: أي ترتيباتٍ إقليميةٍ تترتب على انتصار أميركا و”إسرائيل” في الصراع الراهن، لن تصب في صالح مصر، بل ستكون على حسابها، حيث يعني الانتصار الأميركي الصهيوني تطبيق مشروع “إسرائيل الكبرى”، كما أن أي ترتيباتٍ بالحد الأدنى في حالة التسوية المتوازنة ستكون لصالح مشاريع “إسرائيلية” خليجية تتجاوز مصر وقناة السويس، وتصب في خانة مشروعات “إبراهيمية” مثل قناة بن غوريون وأخواتها، بما يتجاوز الحد الأدنى من مصالح مصر ومركزها الإقليمي. وهو ما يعني أن هزيمة المشروع الأميركي “الإسرائيلي” هي مصلحةٌ مصريةٌ خالصة.

ثالثًا: رغم أن وضع مصر الاقتصادي لا يشير إلى أنها تستطيع الدخول في حربٍ مع الكيان، ولا سيما أن التمويل لهذه الحرب يمر دومًا عبر الخليج، وهو طريقٌ مغلق، إلا أن الخطوط الحمراء للأمن القومي لأي بلد تضعه في مأزقٍ وجودي تنتفي معه الاعتبارات الاقتصادية، وتصبح الحرب ممكنةً وواردةً بمعزلٍ عن هذه الاعتبارات.

الخلاصة

كشفت هذه المناورات مدى أهمية الجبهة المصرية، وكيف تخشى “إسرائيل” من عودة مصر إلى الصراع، وكيف تتعاطى مع مصر باعتبارها عدوًا، وأن مرحلة (السلام)، رغم طولها، ليست إلا هدنة. كما أن أطماع الكيان في مصر معلنة عبر مشروعه “إسرائيل الكبرى” وحدوده من النيل إلى الفرات.

وبالتالي، فإن هذه المناورات، أياً كانت أسبابها ودوافعها ونواياها، فهي مؤشرٌ على أهمية الدور المصري، وأن أمل الأحرار والمقاومين يبقى معقودًا على عودة مصر إلى دورها المقاوم والداعم لحركات المقاومة.

🖊 ايهاب شوقي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى