
ثمة لحظة تاريخية فارقة، يتوقف فيها المجتمع عن كونه كيانًا حيًا، ليتحول إلى مجرد “تجمع بشري” يصارع من أجل البقاء. هذه اللحظة ليست نتاج كارثة طبيعية، بل هي الثمرة المرة لانسحاق الإنسان تحت وطأة الفقر والعوز، في ظل قبضة أمنية حديدية تظن أن الصمت هو “استقرار”، بينما هو في الحقيقة “هدوء القبور”.
عندما تنضغط المجتمعات، يسلك البشر طريقين لا ثالث لهما: إما الانفجار في وجه السلطة، أو التحلل في صمت. والتحلل هو السيناريو الأرعب؛ إذ يبدأ بتآكل الطبقة الوسطى، ذلك الصمام الأخلاقي الذي كان يحمل فائض القيم والتكافل. ومع اختفائها، لا يتبقى في الساحة إلا طبقة تعيش في “جزر معزولة” من الترف، وأغلبية ساحقة تنهشها مخالب الحاجة.
في هذا المناخ، تسقط الأقنعة والمثاليات. لا تتحدث هنا عن “مؤسسات دينية” أو “مناهج تربوية”؛ فالجائع لا يسمع إلا صرير أمعائه، ومن سُحقت كرامته اليومية لا يرى في الفضيلة إلا ترفاً لا يملكه.
هنا تسود “أخلاق النجاة”، حيث يتحول الجار إلى خصم، والوطن إلى “محطة انتظار” كئيبة، وتصبح المواطنة مجرد “إقامة جبرية” في انتظار فرصة للهرب.
النتيجة الحتمية لهذا الانهيار هي سيادة “قانون الغابة”. سنشهد جرائم لم نعهدها، ليست جرائم المحترفين، بل جرائم اليائسين؛ عنف عبثي، وتآكل للمحرمات الاجتماعية، وافتراس متبادل لا يرحم.
السلطة في هذا المشهد لم تعد حامية للحقوق، بل “خصماً” أو “جباياً”، مما يدفع الأفراد للبحث عن هويات بديلة وأمان مزيف خارج إطار الدولة.
إن هذا التحلل ليس مجرد وعكة اقتصادية، بل هو تغيير بنيوي في الحامض النووي للمجتمع. ومن يتوهم أن “الترميم” ممكن ببعض الخطابات المنبرية أو المسكنات الاقتصادية فهو واهم.
إن مجتمعاً وصل إلى مرحلة “الافتراس الصامت” لا يمكن إحياؤه إلا بنظام مغاير تماماً؛ نظام يعيد لقمة العيش إلى دائرة “الحق” لا “المنحة”، ويستبدل القبضة الأمنية برابطة العدالة، ويعيد للمواطن كرامته قبل أن يطالبه بالانتماء.
بدون ذلك، نحن لا نبني وطناً، بل نراقب احتضاره ببطء، حيث يذوب الإنسان، وتتلاشى القيم، ولا يتبقى في النهاية إلا الغابة.