تقارير وتحقيقات

فايننشال تايمز .الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الشيخ الإماراتي الذي هزّ الخليج.

قائد الإمارات يرسم مسارًا مختلفًا لبلاده، من التدخلات الخارجية إلى التخلي عن أوبك،

بقلم أندرو إنغلاند
بعد أسبوع من اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، قام رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بزيارة مستشفى، حيث التقى مدنيين أُصيبوا في هجمات صاروخية إيرانية. أمسك بأيدي المرضى، وانحنى ليقبّل الجباه في محاولة لطمأنة أمة دُفعت فجأة إلى خطوط المواجهة. لكنه وجّه أيضًا تحذيرًا لخصوم الدولة:
«لا تنخدعوا بمظهر الإمارات»، قال الشيخ محمد، رافعًا إصبعه للتأكيد. «الإمارات قوية وصلبة—لسنا فريسة سهلة».
على مدى عقود، عمل الشيخ محمد، المعروف باسم MBZ، على بناء القدرات العسكرية والدفاعية للإمارات—وجاءت الحرب لتكون الاختبار الأشد لها. وخلال خمسة أسابيع، أطلقت إيران نحو 2,800 صاروخ وطائرة مسيّرة على جارها الأصغر، وهو عدد يفوق ما استهدف أي دولة خليجية أخرى أو إسرائيل. وقد اعترضت الدفاعات الجوية الإماراتية معظمها. لكن الحرب كشفت هشاشة صورة «الملاذ الآمن» التي طالما تباهت بها الدولة، والتي دعمت صعودها كمركز إقليمي للتجارة والسياحة.
بالنسبة لابن زايد، كان ذلك لحظة محورية—صراع لم يكن مستعدًا له، لكنه أيضًا اختبار لمدى التزام حلفاء الإمارات التقليديين الذين اعتمدت عليهم في الأزمات. وقد أوضحت الإمارات أنها ترى أن بعضهم كان قاصرًا في دعمه.
وقد انتقدت الدولة علنًا ما تعتبره استجابة ضعيفة من الشركاء العرب والمسلمين. ففي هذا الأسبوع، وبعد انتهاء القصف، أعلنت خروجها من منظمة أوبك، في خطوة اعتُبرت إشارة اعتراض موجهة إلى السعودية، القائد الفعلي لكارتل النفط. وكانت أبوظبي قد عبّرت لسنوات عن استيائها من قيود أوبك التي تحدّ من قدرتها على زيادة الإنتاج. لكن الحرب منحتها الدافع لاتخاذ خطوة كانت تتجنبها سابقًا، مما عمّق التوتر مع الرياض، في ظل منافسة اقتصادية واختلافات في الرؤى حول إدارة أزمات المنطقة.
وقال مسؤول إماراتي: «الأولوية المطلقة الآن هي من هم شركاؤنا الموثوقون. والخروج من أوبك يتعلق بذلك بقدر ما يتعلق بأي حسابات أخرى». وأضاف: «هذا يتعلق بالمستقبل—الاقتصاد الجديد، اقتصاد المعرفة—أنا لست جزءًا من الاحتجاجات الفاشلة والمتأخرة. لا يتعلق الأمر بالهوية العربية أو الإسلامية—نحن عرب، نحن مسلمون—لكننا لا ننظر إلى العالم من هذا المنظور».
ويعكس هذا الشعور المزاج المتشدد في أبوظبي. فبينما أبدت دول عربية أخرى استياءها سرًا من «العدوانية» الإسرائيلية، متهمة إياها بجرّ المنطقة إلى حرب، تضاعف الإمارات من علاقاتها مع الدولة اليهودية. فقد انطلقت هذه الشراكة عندما طبّع MBZ العلاقات مع إسرائيل في عام 2020، منهياً عقودًا من المقاطعة العربية.
وتخرّج MBZ من ساندهيرست، الأكاديمية العسكرية البريطانية التي أثّرت بشكل كبير في تكوينه العسكري. ولم يتردد في تحدي جيرانه العرب إذا رأى أن ذلك يخدم مصالح الإمارات. فسياساته الخارجية طالما استندت إلى اعتقاد راسخ بأن إيران والإسلام السياسي يشكلان تهديدًا جسيمًا للاستقرار الإقليمي. وقد عزز هذا التوجه انتماؤه المبكر إلى جماعة الإخوان المسلمين أثناء دراسته على يد معلم إسلامي مصري.
وبعد تخرجه من ساندهيرست عام 1979—عام الثورة الإسلامية في إيران—بدأ في إعادة تشكيل الجيش الإماراتي، الذي كان يعتمد على الباكستانيين والمصريين. وبدعم من والده، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس الدولة، حلّق MBZ عبر البلاد بطائرة مروحية لتجنيد أبناء الأسر الإماراتية البارزة وإلحاقهم بالأكاديميات العسكرية. كما أشرف على استثمارات ضخمة في التسليح الأميركي، من الطائرات المقاتلة إلى الدفاعات الجوية، وبنى جيشًا يحظى اليوم بإشادة واسعة.
وبالنسبة لمؤيديه، يُعد MBZ قائدًا عمليًا وحازمًا؛ أما منتقدوه فيرونه مستبدًا ذا قبضة حديدية. لكنه غيّر مسار الإمارات بالفعل: فقد استخدم ثروة أبوظبي الهائلة لتحويل العاصمة الهادئة إلى سلسلة من المشاريع العملاقة، بهدف تنويع الاقتصاد وإبراز الدولة عالميًا.
وقد امتد طموحه إلى ما وراء الإمارات، إذ سعى إلى تشكيل المنطقة وفق رؤيته، مستخدمًا مزيجًا من الأدوات الصلبة والناعمة. وعندما اندلعت انتفاضات الربيع العربي عام 2011، رأى فيها لحظة خطيرة قد تستغلها الجماعات الإسلامية. فبدأ حملة قمع داخلي ضد الإسلاميين والنشطاء، وضيّق مساحة النقاش العام.
كما أدخل التجنيد الإجباري للمواطنين الإماراتيين—وهو إجراء غير معتاد في دول الخليج الغنية—وسعى إلى تعزيز الشعور بالهوية الوطنية. وفي النزاعات الإقليمية، تدخلت الإمارات في ليبيا واليمن، حيث انضمت عام 2015 إلى تحالف تقوده السعودية ضد الحوثيين المدعومين من إيران—وهو صراع تحول لاحقًا إلى مصدر توتر مع الرياض.
وقد وسّع هذا النهج العسكري نفوذ الإمارات عبر أفريقيا وساهم في صعود MBZ كأحد أقوى قادة العالم العربي، لكنه جلب أيضًا انتقادات حادة، إذ اتُّهمت أبوظبي بالتدخل في شؤون دول أخرى.
وقال مسؤول أميركي سابق: «لديه رؤية ثنائية حادة للغاية لكيفية استخدام القوة ومعالجة التهديدات في الخارج».
ومؤخرًا، أثار دعم الإمارات لـقوات الدعم السريع في الحرب الأهلية بالسودان إدانات واسعة من خصومها وحلفائها على حد سواء. وتنفي أبوظبي تزويد هذه القوات بالسلاح، لكنها لا تخفي قلقها من أن الجيش السوداني مخترق من قبل الإسلاميين.
ورغم ذلك، لم يتردد MBZ في خوض مواجهات إقليمية. ويقول: «نحن نعيش في حي صعب، وهذه الحرب درس كبير للجميع». ويتساءل: «ماذا قدمت أنا للمنطقة؟ وماذا قدمت المنطقة لي؟»”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى