
سؤالٌ ظلَّ يراودني طويلًا، حتى صار يؤلمني أكثر مما يحيرني:
هل أصبحتِ المنفعةُ أقوى من القرابة؟
هل صار الإنسانُ يهتمُّ بمن يملك أن ينفعه، أكثر ممن يجمعه به دمٌ ورحم؟
هل أصبح بعضُ الناس لا يُظهرون محبتهم إلا حيث توجد مصلحة، ولا يبذلون إلا حيث ينتظرون مقابلًا؟
تأملتُ علاقاتٍ كثيرةً من حولي، فوجدتُ مشهدًا يستحق أن نتوقف أمامه.
رئيسٌ في العمل قد يجد من يسأل عنه كل يوم، ويتودد إليه، ويحرص على رضاه، ويقوم بحاجاته، ويحسب كلماته؛ لأن وراءه راتبًا أو ترقيةً أو مصلحةً.
وفي البيت نفسه قد يكون أبٌ أو أمٌّ أو أخٌ أو أختٌ لا يجدون من أبنائهم ذلك الاهتمام؛ لأنهم ـ ببساطة ـ لا يملكون شيئًا يمنحونه في المقابل.
وقد نجد امرأةً تعتني بطفلٍ ليس ابنها، وتتحمل بكاءه ومرضه وتعبه؛ لأنها تتقاضى أجرًا، بينما أمه أو أبوه قد لا يجدان الوقت الكافي للجلوس معه.
وقد يحرص شخصٌ على زيارة زميله المريض، ومواساته، ومشاركته أفراحه وأحزانه؛ لأن بينهما عملًا أو مصلحةً مشتركة، بينما يمرُّ على قريبٍ له مريضٍ فلا يسأل عنه إلا بعد أن يسمع أن وراء زيارته مناسبةً أو منفعة.
وقد ترى من يقطع مسافاتٍ طويلةً ليحضر مناسبةَ شخصٍ لا تربطه به إلا مصلحة، بينما يتعلل بالانشغال إذا دعاه قريبٌ إليه
فهل المشكلة في الناس، أم في مفهومنا للقرابة؟
لقد أصبحنا ـ في بعض الأحيان ـ نتعامل مع القرابة وكأنها علاقةٌ مضمونة لا تحتاج إلى رعاية؛ فنقول:
«إنه أخي، سيتفهم.»
«إنها أختي، لن تزعل.»
«إنه ابني، سيعذرني.»
«إنها أمي، تعرف أنني مشغول.»
ثم نمنح الغريبَ ما نمنعه عن القريب، لأننا نخشى أن نخسر الغريب، بينما نظن أن القريب لن يذهب إلى مكان.
وهنا تقع المفارقة المؤلمة:
نحافظ على علاقةٍ لأننا نحتاج إليها، ونهمل علاقةً لأننا نضمن بقاءها.
نخشى خسارةَ صاحب المنفعة، ولا نخشى جرحَ صاحب الرحم.
نحسب حسابَ من يستطيع أن يعطينا، ولا ننتبه إلى من يحتاج إلينا.
فهل أصبحت المنفعةُ هي اللغة الجديدة للعلاقات؟
وهل صار السؤال قبل كل علاقة:
ماذا سأستفيد؟
بدلًا من:
ماذا أستطيع أن أقدّم؟
وليس المقصود أن نلوم الإنسان على عمله أو أجره؛ فالخادم له أجره، والموظف له راتبه، ومن يعمل في رعاية مريضٍ يستحق حقه كاملًا. وهذا ليس عيبًا ولا نقصًا في الإخلاص.
المؤلم هو شيءٌ آخر:
أن يصبح المال قادرًا على استدعاء الرحمة، بينما تعجز القرابة عن استدعائها.
أن يدفع الإنسانُ أجرةً، فيجد من يطعمه ويسقيه ويعطيه دواءه ويجلس بجواره، فإذا لم يدفع لأقرب الناس إليه شيئًا، وجد منهم الأعذار والتأجيل والانشغال.
وهنا لا يعود السؤال:
مَن الأقرب إليَّ؟
بل:
مَن يبقى إلى جواري حين لا أملك شيئًا؟
فالمال يستطيع أن يشتري خدمةً، لكنه لا ينبغي أن يكون شرطًا للرحمة.
والمنصب يستطيع أن يجذب الاهتمام، لكنه لا يصنع أخًا.
والمصلحة تستطيع أن تجمع شخصين، لكنها لا تضمن أن يبقى أحدهما إذا انتهت المصلحة.
أما القرابة، فقد أعطاها الله معنى أعظم من المنفعة؛ جعلها رحمًا، وجعل صلتها عبادة، وحذّر من قطيعتها.
لكن القرابة وحدها لا تكفي أيضًا.
فقد يكون الإنسان قريبًا لك في شجرة النسب، بعيدًا عنك في شجرة القلب.
وقد يكون شخصٌ لا يجمعك به دم، ولكنه يقف إلى جوارك في أشد لحظاتك ضعفًا، فيصبح أقرب إليك من كثيرٍ ممن يحملون اسمك.
إذن ليست القضية:
صلةَ دمٍ أم صلةَ منفعة؟
القضية أعمق:
هل ما زالت صلاتُنا الإنسانية قادرةً على أن تقوم على المحبة والرحمة، أم أننا نحتاج دائمًا إلى مقابل حتى نشعر بقيمة الآخر؟
إن كانت العلاقة لا تستمر إلا ما دامت المنفعة موجودة، فهي علاقة مصلحة.
وإن كان القريب لا يُحَبُّ إلا حين يكون قادرًا على العطاء، فهذه ليست محبةً خالصة.
أما المحبة الحقيقية فتظهر في اللحظة التي يسقط فيها حساب المنفعة.
حين يمرض القريب ولا يستطيع أن يردَّ لك الجميل.
حين يكبر الوالدان ولا يعودان قادرين على تقديم شيء.
حين يحتاج الأخ ولا يستطيع مساعدتك يومًا.
حين تصبح الابنة عبئًا لا مصدرًا للراحة.
حينها فقط يُختبر القلب:
هل أحببتَ الإنسان، أم أحببتَ ما كان يستطيع أن يقدمه لك؟
ولعل أقسى ما في الأمر أن بعض الناس لا يكتشفون قيمةَ أقاربهم إلا بعد أن يفقدوهم.
حينها يتمنون مكالمةً لم يجرِوها، وزيارةً أخّروها، وكلمةً ظنوا أن وقتها لم يفت.
لكن الوقت لا يعود.
لذلك، فلنُعد للقرابة شيئًا من معناها.
لنسأل عن قريبنا قبل أن نحتاج إليه.
ولنزُر مريضنا قبل أن يموت.
ولنطمئن على كبيرنا قبل أن يعجز عن انتظارنا.
ولنمنح أبناءنا حضورنا، لا أموالنا فقط.
ولنحفظ لأخواتنا وإخوتنا مكانتهم، لا عندما نحتاج إليهم، بل لأنهم أهلنا.
فالإنسان الذي لا يملك أن ينفعك اليوم، قد يكون غدًا أحوج الناس إلى رحمتك.
وأجمل ما في صلة الرحم أنها لا تسأل:
ماذا ستعطيني؟
بل تقول:
أنت مني، ولذلك أنا معك.
وهنا تتضح الحقيقة:
المنفعة قد تُنشئ علاقة، لكنها لا تكفي لصناعة محبة.
والقرابة تمنحك حقَّ القرب، لكن الوفاء هو الذي يمنحها الحياة.
فلا تجعلوا المالَ أقوى من الدم، ولا تجعلوا المصلحةَ أقوى من الرحمة.
وأحبُّ العلاقات إلى القلب تلك التي لا يحتاج فيها الإنسان أن يدفع ثمنًا كي يُحَب، ولا أن يملك منفعةً كي يُسأل عنه، ولا أن يملك شيئًا كي يبقى عزيزًا.
فإذا جاء يومٌ لم يعد فيه قريبك قادرًا على أن ينفعك، ثم وجدتَ نفسك ما زلتَ تحبه، وتسأل عنه، وتحمله، وتحنو عليه…
فاعلم أنك لم تكن تحبُّ منفعته، وإنما كنت تحبُّه هو.