كتاب وشعراء

المشي داخل رأس محترق . . . زكريا شيخ أحمد / سوريا

في الممرِّ الذي يسبقُ تكوّنَ الجهات
كنت أجرُّ جسدي كأنّي أسحب ورائي
مدينةً غارقةً في نومِ المعادن
و كان الوقتُ ينقرُ على عظامي
بمطرقةٍ صنعتها آلهةٌ
فشلتْ في اختراعِ الرحمة .

لم أكنْ أفكّر بالحياة…
الحياةُ فكرةٌ صغيرةٌ
تخطر للكائنات حين تتعب من الفراغ
كنت أفكّر كيف استطاع الظلام
أن يخفي هذا العددَ الهائل من الأرواح
في جيبِ ذرّة؟

•••••••••••

في طفولتي
كانت أمّي تضع الخبزَ قرب النافذة
كي تأكلَ الطيورُ معنا ،
لكنّني رأيتُ مرّةً عصفوراً ميتاً
و قد امتلأتْ عيناهُ بالقمح،
ففهمتُ متأخراً
أنّ الجوعَ أيضاً
يمكنه أن يرتدي هيئةَ معجزة .

منذ ذلك اليوم
صرت أخاف من الأشياء الطيّبة ،
أخافُ من الأبوابِ المفتوحةِ كثيراً
و من الموسيقى التي تشبهُ الغفران
و من الوجوهِ التي تبتسمُ
كأنّها لا تخفي مقبرةً في الداخل.

••••••••••••••

في ليلةٍ…
كنتُ أعبرُ حلماً
رأيتُ رجلاً يبيع أعماراً مستعملة
على رصيفٍ مهجور
و كان ينادي بصوتٍ أجشّ :

“من يريدُ طفولةً لم تُستهلكْ بالكامل؟
مَن يريدُ أمّاً إضافيةً تبكي عليه مرّتين؟”

اقتربتُ منه…
ناولني وجهاً يشبهني،
لكنّه كان أقلَّ خراباً.

قال:
“هذا أنتَ قبل أن تتعلّمَ الكلام.”

سألته: كم ثمنه؟
ابتسمَ بحزنٍ و أشارَ إلى قلبي.

••••••••••••

أحياناً أشعر أنّ جسدي
مجرّدُ شائعةٍ اخترعها التراب
و أنّني في الحقيقة شيءٌ آخر
نسيَ اللهُ اسمَهُ في أوّلِ الخليقة.

لذلك
كلّما نظرتُ إلى المرآة أرى شخصاً
يحاولُ الخروجَ من وجهي
دون أن ينجح.

••••••••••••••

البارحة
سمعت نهراً يتحدّثُ أثناء نومه
كان يقولُ للحجارة:
“لا تصدّقوا اليابسة …
إنها تخفي البحرَ في عظامها.”

ثم بكى.
لأوّل مرّة أرى ماءً يخافُ من العطش.

••••••••••••

و في مدينةٍ تُضاءُ بمصابيحَ من صدأ
التقيتُ امرأةً
تخيطُ الثقوبَ التي تتركها الأرواحُ
حين تغادرُ أجسادَها فجأة.

كانت تضعُ في حجرها إبرةً طويلةً من ضوء
و خيطاً مصنوعاً
من أصواتِ الأمهاتِ عند الفقد.

قالت لي:
“تعال.”
فتحتْ صدري كما تُفتحُ نافذةٌ على عاصفة
و أخرجتْ طفلاً كان نائماً خلفَ قلبي.

قالت:
“هذا هو سببُ حزنك. …
لقد كبرتَ و تركتَه هناك وحده .”

•••••••••••••••••

منذ أيّام و أنا أمشي داخلَ رأسي
كأنّه بيتٌ احترقتْ غرفُه
كلُّ فكرةٍ ألمسُها تتحوّلُ إلى طائرٍ مذعور
و كلُّ ذكرى تفتحُ فمها و يخرجُ منها قطارٌ
محمّلٌ بأصواتِ الذين رحلوا
دون أن يُغلقوا الباب خلفهم.

••••••••••••••

يا لهذا الكون…

كم يبدو هائلاً
حين ننظرُ إليه من الخارج
و كم يبدو ضيّقاً
حين نحاول أن نضعَ فيه
قلباً واحداً فقط.

أنا الذي حملتُ خرابَ سلالاتٍ كاملةٍ
في تجعيدةِ يد
و أطعمتُ وحدتي من صحونِ المجرّات
ما زلتُ كلّما هطل المطرُ أشعرُ أنّ السماء
تتذكّرُ شيئاً
و تبكي.

••••••••••••

الآن أجلسُ على حافةِ نفسي
و أراقبُ العالم و هو يبدّلُ جلدهُ
مثلَ أفعى عجوز.

الحروبُ تعبرُ الشوارعَ بأحذيةٍ لامعة
و الأطفالُ يكبرون بسرعةِ الرصاص
و الأغاني تخرجُ من الحاناتِ
و عليها آثارُ ضرب.

أما الصوتُ الأول …
فأشعرُ أحياناً
أنه يجلسُ في مكانٍ بعيد
منهكاً كعازفِ كمانٍ أضاعَ النوتةَ الأخيرة
للكون.

•••••••••••••

و مع ذلك…
ما زلتُ حين ألمحُ شجرةً وحيدةً
في آخرِ الخراب
أشعرُ أنّ الحياة ….
تحاولُ الاعتذار .

ملاحظة:

كل مقطع يحمل مركزه و له صورته الخاصة
لكني فضلت نشره كنص واحد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى