كتاب وشعراء

​نافذة على جوهر الوجود.. بقلم: مـحـمـد‏ نـور الـديـن مـحـمـد

​نافذة على جوهر الوجود
​تقف خلف الزجاج،
كأنَّها علامة أستفهام رسمها القدر في كتاب الوجود.
هادئة بهدوء الصبح في يوم عيد،
تطلُّ من النافذة لا لترى الشجر والطير،
بل لترى ما وراء الأرواح في زحام الغيب.
​ما هذه الفتاة؟
أهي نبضة من نور سقطت من سماء الحكمة،
أم هي روح تلبَّست هيئة الحرف لتقرأ أسرار الأزل؟
أنظر إلى الكتاب في يدها،
أتظنه ورقاً ومدادا؟
كلا، إنَّه مرآة تقلب في وجهها صفحات عمرها الضائع،
فترى فيه ملامح من ذواتنا التي خناها في دروب الزمان.
​إنَّ الضوء حين يغشى كتفيها،
ليس ضوءاً من شمس غاربة،
بل هو فيض من سناء الرضا،
يغسل عن الروح أوضار الحيرة ويصبغ الوجود بصبغة الجلال.
إنَّها لا تنظر إلى العالم،
فالعالم في نظرها وهم كبير تتقاذفه الأهواء،
بل هي تنظر من عين القلب الذي رأى ما لم تره أبصار الغافلين.
​يا لهذا السكون الذي يزلزل كيان الروح!
ألا تراه في صمتها حديثاً طويلاً لا تقطعه الشجون؟
إنَّها كالبحر في ليلة مقمرة،
ظاهرها صمت ووقار،
وباطنها مدن من الأسرار تغرق فيها أحلام الملوك.
​لا تطلب منها كلاما،
ففي صمتها تكمن بلاغةٌ تخرسُ الفصحاء،
وفي وقفتها عند النافذة معانٍ لو صيغت من ذهب
لما بلغت شأو دمعة واحدة تحبسُها في مقلتيها.
​إنَّها لا تقرأ لتسكنَ الوقت،
بل لتبحثَ عن وطنٍ لروحها الغريبة،
ذاك الذي فقدناه حين ألبسنا أنفسنا أقنعةَ العيشِ في هذا الركام.
تخاف أن تغادر الدنيا ولم تكتمل حقيقتها،
فتراها في كتابها تفتِّش عن مرآة ترى فيها براءة وأدَّتها السنون.

​ثمَّ أستدارت،
وكأنَّها أغلقت بـ التفاتتها باباً على عالم لا يراه سوانا.
تركت خلفها النافذة مفتوحة لليل
لا يعرف سرَّاً إلا أسرار الساهرين.
​ولم تبقَ في المكان إلا تلك الرعشة،
التي يسري بها الضوء في الغرفة الخالية،
كأنَّ الجدران نفسها صارت تحفظ ما قرأته،
وتستعيد في هدوئها نبض تلك الروح التي غادرت.
​أمَّا النافذة،
فقد غدت بعد رحيلها كعين الصبح التي فقدت دمعتها الأخيرة،
لا هي تطلُّ على حديقة،
ولا هي تغلق على سر،
بل صارت مزاراً للريح التي لاتزال تُفتِّش عن صدى لكتاب أُغلق،
وعن فتاة تركت في الهواء عطر الحكمة،
وفي القلوب شوقاً لا يزول.
​لقد مضت، لكنَّها لم ترحل،
ففي كلِّ مرَّة يغلب فيها الصمت ضجيج العقل،
سنرى في حافَّة النافذة ظلَّاً يقرا،
وفي فراغ المكان وجهاً يطلُّ على المعنى.
​سلام على كلِّ من جعل العزلة فنا،
وسلام على الذين يمشون في الأرض وقلوبهم معلقة بنوافذ السماء،
ينتظرون من الأقدار قصيدة أخرى..
لم تكتب بعد،
ولكنَّها بانتظار قلب يملك شجاعة أن يراها في صمت الأشياء.

‏ مـحـمـد‏ نـور الـديـن مـحـمـد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى