
رواية غابريل ماركيز: “قصة موت معلن” عن توثيق لقصة حقيقية جرت أحداثها عام 1951 فى الريف الكولومبى, مسقط رأس غابرييل غارسيا ماركيز وهي مقتل العربي سانتياغو نصّار العلني
الذي كان الجميع يعرف موعد قتله غداً في الصباح من قبل التوأم فيكاريو بيدرو وبابلو بدافع الشرف عندما أعلنت الاخت أنجيلا فيكاريو أن سانتياغو نصار هو من اعتدى عليها جنسياً وصارت تلك السردية الوحيدة المنتشرة من جيل الى جيل لم يتواجد في مكان الحدث ولم يدقق في هذه السردية المتوارثة وهل فعلا قالت انجيلا ذلك تحت التهديد ام هي سردية القتلة لابعاد المعتدي الحقيقي؟
كان الجميع يعرف ان سانتياغو نصار سيقتل غدا حسب ما أعلن الأخوان فيكاريو عن نيتهم لقتل سانتياغو نصار لكل من قابلوه في الحانة، في السوق، عند الجزار ورغم ذلك، لم يتحرك أحد بشكل فعال لمنع الكارثة وقد يكون السبب في هذا الاعلان انهما بحثا عن من يوقفهما عن تنفيذها لكن احدا لم يفعل ولم يخبره احد بل خرجوا في الموعد للتفرج على قتله وهنا يوجه ماركيز ادانة للجميع كشركاء في الجريمة يوم خرجوا في الصباح من الشرفات للتفرج لانهم يعرفون ساعة القتل في حين كان نصار مثل أي يوم خرج معطراً أنيقاً آمنا.
كيف يكون صمت الجمهور شريكاً في الجريمة؟ يتبنى الجميع سردية القتلة خاصة بعد مقتل نصار وتتوارث هذه السردية من جيل الى جيل حتى يأتي صحفي بعد 27 سنة للتحقيق في تلك القضية ليكتشف انها فضيحة نفاق اجتماعي وجريمة جماعية وان السكين التي قتلت سانتياغو نصار كانت تمسكها يد البلدة المتواطئة مرتين: مرة عندما صمتوا عن الجريمة وثانية عندما قبلوا سردية القتلة.
يكتشف الصحفي من خلال شهود ووثائق واعترافات كبار السن وسجلات الشرطة ان انجيلا اختارت نصار لابعاد الشبهة عن الفاعل الحقيقي في انه عربي في مجتمع لن يتعاطف معه وليست عنده فرصة لرواية الحقيقة وان الجميع تقبل سردية القتلة بلا أي تحقيق ولا شك ولا سؤال في ان تكون هناك قصة مختلفة تماماً مع انهم لم يعرفوا تفاصل القضية الا من خلال حكاية مفككة لم يدقق فيها احد.
” لم يكن هناك موت معلن اكثر من هذا الموت” بهذه العبارة يلخص ماركيز مأساة مجتمع يضحي بالفرد والحقيقة بل الشرف باعمق معانيه من أجل الحفاظ على صورة “الطهر” الزائفة، مما يجعل كل فرد في البلدة، بشكل أو بآخر، قاتلاً في تلك الصبيحة.
عودة الصحفي للتحقيق كشفت جرائم اخرى منسية لم يفكر بها احد وعندما بدأ استجواب الشهود بعد كل هذه السنين، وجد أن الذاكرة الجماعية مشوشة أو “تنتقي” حسب ما سمعت لا حسب ما حققت وتأكدت وبعضهم حول صمته الى اعذار واهية والصدمة لم تكن في جريمة القتل فحسب بل في” التواطؤ الصامت” بقبول سردية مزيفة توارثتها الاجيال شفوياً من رواة انتقائيين.
من خلال تحقيق الصحفي نكتشف ان ماركيز يذهب بعيداً حول أصل التهمة ولم يكن هناك دليل مادي واحد يثبت أن سانتياغو هو من أقام علاقة مع أنجيلا حتى لو كان يعرفها في بلدة صغيرة. تصرفات سانتياغو نصار صبيحة القتل كانت طبيعية تماماً ولا تدل على شخص يخشى الانتقام.
كشف التحقيق أن الجريمة لم تنتهِ بموت سانتياغو، بل دمرت حياة الجميع وكشفت هشاشة أخلاقهم بجريمتين: الصمت وقبول سردية مزيفة بلا تحقيق وتوارثها وفي بلدة صغيرة مغلقة تتوارث السرديات الشفوية وكل شخص يحذف او يضيف ما يناسبه لكن أحداً لم يكن حاضراً لحظة اعتراف انجيلا ولا دقق في شهادتها ولا في سجلات الشرطة والمحكمة ولا عمدة المدينة.
لقد استعمل ماركيز لأول مرة اسلوب التقرير الصحفي مع انه تنسب له مدرسة الواقعية السحرية وهذا الأسلوب جعل القارئ يشعر بأن الصحفي في الحقيقة قاضٍ ينظر في جريمة لم يغلقها الزمن، رغم مرور قرابة ثلاثة عقود وكيف يمكن لسردية زائفة ان تعيش وكيف اتفق هؤلاء من اماكن مختلفة وازمنة مختلفة واعمار مختلفة وبعضهم لم يولد ساعة الحدث على قبول تلك السردية بلا فحص؟
يكتشف الصحفي عندما تُغلف السردية بغطاء أخلاقي أو ديني، يصبح نقدها نوعاً من التجديف والغباء في البلدة وتتحول ” الصيغة النهائية” للحكاية الى حقيقة لان التشكيك فيها يعني التشكيك في المنظومة الأخلاقية للبلدة بأكملها وان الجريمة جماعية وكما يقول المثل: “إذا كان الجميع مسؤولاً، فلا أحد مسؤول”.
غياب اليقين المادي حوَّل الاشاعة الى حقيقة وصياغة نهائية خاصة وان سانتياغو نصار لم يعد موجوداً وقد قُتل دون أن يعرف السبب لكي نسمع وجهة نظره.
السردية الزائفة تعيش لأنها لا تعتمد على المنطق بل على العاطفة والتحيز. الناس أرادوا تصديق أنها الحقيقة لأنها كانت تفسيراً سهلاً مختصراً لحدث معقد ومركب تتداخل فيه السلطة والدين بشخصية الكاهن والمجتمع والشرطة والاسرة.
البحث عن الحقيقة الفعلية كان يتطلب مجهوداً ذهنياً وقانونياً لم يكن أحد مستعداً لبذله كما انه يتطلب كسر النسق السردي والدخول في عمق القصة وتشابكها مع النظام الاجتماعي والسياسي واعتبارها جريمة قتل عامة بعنوان مزيف.
مما يثبت زيف السردية المتوارثة انها نسخة واحدة يرددها الجميع لم يكن أي واحد منهم حاضراً مكان الحدث بل حكاية سماعية يرفضها القانون مما يعني ان صياغتها تمت من طرف واحد هو القتلة لابعاد الناس عن الحقيقة وهناك تلميح في الرواية في ان انجيلا قد تكون تعرضت “لانتهاك” من محيط قريب جرى التستر عليه وجعل نصار العربي ضحية.
من هم الشركاء في الجريمة؟ يوسع ماركيز دائرة القتلة ويتهم السلطة العمدة، الكاهن والشرطة التي لم تحقق والناس الذين صمتوا والذين قبلوا السردية وكل الذين كانوا جزءاً من منظومة الزيف وفحص السردية يعني كشف تقصيرهم الوظيفي والأخلاقي. لذا، ساهم أصحاب النفوذ في تثبيت الرواية الرسمية على أنها جريمة شرف مشروعة لإغلاق الملف وحماية مراكزهم وخداع بلدة بأكملها بعد غياب سانتياغو راوي الحقيقة الوحيد:
لم يسأل أحد عن حقه في الشهادة مما يؤكد بدليل دامغ غياب العدالة الاجتماعية وبكل يقين غياب العدالة السياسية والقانونية والاخلاقية والشك في الاقل في تفاصيل الحكاية بل يذهب ماركيز الى ان انجيلا هي الاخرى ضحية مجتمع منافق سواء من شارك في الجريمة او من صمت او من ردد الصياغة المزيفة عندما يسعى الجميع للصياغة المختصرة المريحة بدل الحقيقية والصياغة المختصرة ضرورية لكل تنتقل من شخص الى اخر ومن زمن الى اخر والغاء كل التعقيدات والتشابكات المركبة في مجتمع تقليدي مغلق.
كانت رواية ماركيز بمثابة “مرآة محطمة” رماها في وجه المجتمع، ليجبره على رؤية بشاعة ملامحه تحت قناع “النبالة” و”التقاليد”. هي ليست مجرد قصة عن جريمة قتل، بل هي إدانة أدبية قاسية للنفاق الجماعي المتوارث الذي لا يعتبر النفاق والصمت على الجريمة وقبول حكاية مزيفة والفساد العام عاراً إلا عندما يتعلق بالجنس.
لم تكن رواية فحسب بل محاكمة علنية للجميع وهذا هو الأدب الحقيقي عندما تفشل العدالة او تتواطأ في التغطية على القتلة. يقول غابريل ماركيز في الرواية:
” اعطني حكماً مسبقا أحرك لك العالم”،
لأن الحكم المسبق مختصر ومريح ويجنب التفكير والبحث والسؤال ويلغي الشك