
عذرية الوقاحة نوع من السيرة التشردية البيكارسية Picaresque novel أو أدب الشطار وهو نوع انقرض مع الأسف من الأدب العربي عن أدب الصعاليك عدا السيرة الذاتية الروائية لمحمد شكري المغربي” الخبز الحافي” التي قادته الى مصح تطوان النفسي بعد حملة تشهير واسعة لان المجتمعات المغلقة تخاف من البوح المفتوح وتتساهل مع الجريمة، ان تكتب سيرة ذاتية صادقة يعني ان تكون مستعداً للاسوأ.
لكنه منتشر في الغرب وانتقل هذا الصنف إلى الأدب الإسباني والإنجليزي والألماني، ثم إلى الأدب الفرنسي على يد أونوريه دورفيه في قصته المسماة ” أستريه” و”موت الحب” لتيوفيل جوتيه أو رواية دون كيشوت لـــ سرفانتس.
كتاب “عذرية الوقاحة” عن الشاعر المرحوم عبد اللطيف الراشد من خلال رسائلنا المتبادلة من العراق الى النرويج حتى عام 2005 يوم مات في ليلة مطر ومنع تجول هو المشرد.
مع الاحتلال والمطر والموت تتضاعف الماساة. وأنا أتأمل اليوم رسائله أخاف الاقتراب منها كما لو انني أمام هاوية وحفظتها في علبة بعنوان خاص.
مشكلة الراشد انه عاش مشرداً طوال حياته، ولم يصدر له سوى ديوان” نزق” لكن الوجه الخفي له في مكان آخر:
عرف خبايا شوارع بغداد وقاعها السفلي واسرارها كما لم يعرفها أحد،
بعد منتصف الليل في الثمانينات تلك السنوات تكون بغداد مختلفة عن النهار وهناك مخلوقات أخرى تفيق في تلك الساعات ولا أحد يحفل بالحرب على الحدود ،
ومن خلال تسكعي معه ايام الاجازات من الجبهة عرفت الكثير عن الوجه الخفي لبغداد بل كان مفتاح بغداد السري للواقع الخفي.
رسائل عبد اللطيف خليط من اوراق فواتير حانات او ورق اسمنت او اي ورقة مرمية في الشارع وحتى من علب السجائر،
وفي حالات يغلق الرسالة لكن ما ان يرى ورقة في الطريق، يعيد فتح الرسالة ويكتب ملاحظة مع الاشارة الى انه فتح الرسالة ونسي شيئاً يكتبه،
وفي الحقيقة غالبا ما اجد شتائم موجهة في كل الاتجاهات ولم اسلم منها أنا من العيار الثقيل، وانا من هنا أبحث له عن عناوين في بغداد لكي اكاتبه لانه بلا عنوان بل حتى بيوت او محلات اصدقاء للنوم ومرة طرد من اتحاد الادباء لانه حاول النوم منتصف الليل وقال:
” اعتبروني قطة”
لكنه عندما مات أقام له الاتحاد فاتحة وكل الذين شاركوا في صنع مأساته تبادلوا المدائح وكنت أعرف هؤلاء من خلال رسائله وخجلت من حفل الزور.
قاطعته فترة لكن جن جنونه وكتب : ” إقطع كل شيء إلا الرسائل يا زهران”.
كانت حاجته للصداقة والحنان أكثر من حاجته للمال الذي لم يتحدث عنه يوماً رغم انني خصصت له راتبا شهريا يصله دائماً عبر أصدقاء ، مرة من خلال الروائي وارد بدر السالم وأخرى من خلال الكاتب فلاح المشعل وفي حصار التسعينات مع فارق العملة، أي مبلغ بسيط يصل العراق هو ثروة.
كيف يمكن لمشرد ومستباح أن يحترم لغة خربت حياته؟ هتك اللغة رد فعل على واقع هتك عالمه ولم يعش حياة لائقة. لا يعرف متى ولد وبكل يقين لم يعرف متى سيموت في ليلة ماطرة واحتلال ومنع تجول.
زهران هو الاسم المستعار الذي اكتب له به رسائلي تهربا من الرقابة،
وزهران بطل رواية : اللص والكلاب، نجيب محفوظ. كانت الاسماء تقود الى السجون في زمن يقال له الزمن الجميل وواحدة من رسائلي قادت قريباً الى السجن عامين وفسروا كل تفصيل عادي على انه رموز. سألوه في السجن:
” اشرح لنا بالتفصيل ماذا يعني بكلامه: الغيوم البيضاء القطنية تظهر في أيلول”؟.
وهي فعلا ظاهرة طبيعية بعد صيف قائظ وساخن ويبدأ الهواء بالبرودة وتظهر الظلال. حتى الكلام عن الطبيعة صار شفرة.
لا يضع تاريخ الرسائل لان الزمن عنده مضطرب وملغي وانا اضع التواريخ حسب وصولها. ذهب الى اصدقاء شاكيا من قطع الرسائل، وعدت له وكتبت:
” في المرة القادمة عليك ان تكون عاقلاً”.
وكتب:
” كيف اكون عاقلاً يا زهران؟ وهل كنت انت عاقلاً يوم عبرت الغام جيشين؟”
كنا هو وأنا نهرب من أمكنة نخب الأدب وما زلت حتى اليوم كذلك لسبب يتعلق بي شخصياً ونذهب الى الامكنة المفتوحة حيث الحياة في مكان آخر وليس في الأمكنة المغلقة كالمقاهي والحانات والصالونات.
قبل الهروب بايام وفي شارع السعدون في كازينو الموعد مقابل سينما بابل،
اقترحت عليه الهروب معي وعبور حقول الالغام،
وكانت المفاجأة انه يعمل كجندي في هندسة حقول الالغام ويعرف كوارثها
حتى لمن يملكون ادوات كشف الالغام، فكيف عبور الغام جيشين؟
قال برعب:
” هذا انتحار”.
كتب لي فيما بعد الى النرويج:
” يوم لم أجدك في أماكننا المتوقعة، قلت لنفسي: فر العصفور، كنتُ غبياً وفضلت الموت بالتقسيط على مغامرة منقذة”.
كتبت للصديق الكاتب فلاح المشعل في ان يهتم بعبد اللطيف بل وجد له عملاً وفرحت لذلك،
وعند سقوط بغداد كان يجب أن تكون فرصته في السلب والنهب،
لأن الحرب لحظة شماتة المشرد لانها تخلق معادلة المساواة في الرعب وزوال الفوارق الطبقية،
كما شمت الكاتب الفرنسي جان جينيه المشرد بسقوط باريس في الاحتلال النازي لان الاحتلال يخلق مساواة في الرعب والقلق لكن مع عبد اللطيف كان الامر مختلفاً:
كان يخاطب لصوص المؤسسات بغضب بل يتشاجر معهم في ان هذه ليست ملك النظام بل ملك الشعب.
من فندق الشيراتون او المرديان اتصل بي خلال ضجة في الفندق وخليط من القوات الامريكية ومن الصحافيين الاجانب والعراقيين في 9 نيسان 2003 ليقول لي بنبرة فرحة بعد أن استعار هاتفاً من أحد ما:
” سمعت أنك هنا في الفندق “.
لا أعرف من سرب هذا الخبر الذي بلا أساس رغم العرض قبل الاحتلال مع اغراءات المال والعمل والوظيفة والسكن ومنحة مالية كبيرة واختيار نوع الوظيفة والخ لكني رفضت ان اكون في جيش غزو في حين كانت الطائرات تنقل الكتاب العراقيين الى الكويت في انتظار الغزو في فنادق راقية مرفهة وسئموا من الانتظار وكانوا يتشاجرون على المناصب قبل الاحتلال.
مات الراشد وحيداً كما عاش لكني حسبت عدد الراثين وقد تجاوز العشرين:
لم اجد غير الصمت ولم اتكلم. اقام له اتحاد الادباء عزاء ثلاثة ايام. تذكرت رسالة منه بخط يده تقول:
” جئت في الليل الى اتحاد الادباء أبحث عن مكان انام فيه، لكنهم طردوني فقلت لهم: اعتبروني قطة عبرت السياج. اسمع يا زهران: كل ما أحلم به الآن أن أبكي على صدرك كطفل”.
من الغرائب وبعد موته بخمس سنوات تصدر قائمة من جهة مجهولة باسماء كتاب النظام المطلوب قتلهم ويكون اسم عبد اللطيف الراشد من بين الاسماء هو المشرد النظيف كما لو ان تلك الحياة القاسية لا تكفي والمطلوب قتله، ميتاً:
القاعدة التي تنطبق عليه وعلى غيره في واقع تختلط فيه الحقيقة مع الخيال، والكذب مع الصدق، والمحتال مع الأعزل.
الجماعات المظلمة المغلقة تكره العفوية والبراءة والوضوح لانها مخلوقات تعيش في العتمة وفي الامكنة العفنة ويجرحها ضوء النهار هاربة من ذواتها المزيفة بعد فقدان القدرة على التفريق بين الحقيقي والزائف وتلك هي المرحلة التي يصلها الأنذال عندما يقطعون كل صلة بعالم البشر الأسوياء.
لو قررنا ان نكتب السيرة السرية للاوغاد لاحتجنا الى زمن طويل لان هؤلاء يتناسلون في كل مرحلة باقنعة جديدة وهؤلاء اذا لم يغيروا التاريخ يشوهونه لكي يظهر كصورهم البشعة،
رغم “ان الاوغاد هم الجزء الالذ في الحكاية” كما تقول الروائية التشيلية ايزابيل الليندي.