حسام السيسي يكتب:ما وراء إغلاق “القاعدة المصرية” في جنوب السودان والتواجد العسكري في الإمارات.
هل بدأت إعادة هندسة النظام الإقليمي من خلف الستار؟

ما يتداول حول تفكيك أو إنهاء وجود عسكري مصري في مناطق مثل Pagak وأعالي النيل بجنوب السودان، بالتوازي مع تصاعد الظهور العسكري المصري في الإمارات ، لا يمكن قراءته كتحركات منفصلة أو تكتيكية.
نحن أمام تحول أعمق: إعادة تعريف لمفهوم الأمن القومي المصري داخل نظام إقليمي يُعاد تشكيله تحت ضغط حرب متعددة الجبهات، مركزها الفعلي هو الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران، وما يتفرع عنه من ارتدادات تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر ثم القرن الأفريقي.
ولفهم دلالة ملف جنوب السودان، يجب تجاوز فكرة “القاعدة” بالمعنى التقليدي. ما تشير إليه التسريبات المتكررة منذ 2020 في الإعلام الإثيوبي والجنوب سوداني ومنصات الرصد المفتوح هو أن هذا الوجود — إن وُجد — كان أقرب إلى وظيفة ردع غير مباشر مرتبطة بملف Grand Ethiopian Renaissance Dam، عبر خلق ضغط جغرافي على الخاصرة الغربية لإثيوبيا في إقليم Gambella.
هذا النموذج من الردع يعتمد على بيئة إقليمية قابلة لإدارة التوتر دون انفجار شامل. لكن هذه البيئة انهارت فعليًا:
السودان دخل حرب تفكك دولة.
إثيوبيا تواجه اضطرابات داخلية وصراعات إقليمية.
القرن الأفريقي أصبح ساحة نفوذ دولي متداخل.
البحر الأحمر تحول إلى خط اشتباك عالمي مفتوح.
في هذه الظروف، تتحول أدوات “الهامش الجنوبي” من رافعة ضغط إلى عبء استراتيجي عالي المخاطر، يصعب الحفاظ عليه دون تكلفة تفوق العائد السياسي.
بالتزامن بين تراجع هذا الهامش الأفريقي، وتصاعد الوجود العسكري المصري في الإمارات، ليس تفصيلًا رمزيًا. بل يعكس انتقال مركز الثقل من: “الضغط غير المباشر على إثيوبيا” إلى “الاندماج في منظومة أمن الخليج والبحر الأحمر”
هذا التحول تحكمه ثلاث حقائق صلبة:
الخليج أصبح خط تماس محتمل في أي تصعيد مع إيران.
البحر الأحمر تحول إلى ممر عالمي عالي الحساسية للطاقة والملاحة.
أمن الممرات البحرية لم يعد شأنًا إقليميًا بل جزءًا من الأمن الدولي.
وبالتالي، لم يعد معيار القوة هو القدرة على الضغط في الأطراف، بل القدرة على التموضع داخل بنية أمنية عالمية أكبر.
الدور الإماراتي هنا يتجاوز فكرة الوساطة أو التعاون الثنائي. أبوظبي أصبحت عقدة ربط استراتيجية بين: القاهرة – أديس أبابا – جوبا – الخرطوم – واشنطن – تل أبيب – وممرات البحر الأحمر.
هذا الموقع يمنحها قدرة على إدارة التوازنات بدل تركها تتجه إلى الصدام، أي تحويل النزاعات من “صفرية” إلى “مُدارة”.
ومن هنا يصبح من المنطقي أن تتحرك التفاهمات الإقليمية بمنطق: خفض التصعيد المتعدد الجبهات بدل حل النزاعات منفردة.
الصراع مع إيران لم يعد ملفًا منفصلًا، بل أصبح عامل ضبط شامل لباقي الجبهات.
كلما ارتفع منسوب التوتر في الخليج:
تتراجع أولوية ملفات القرن الأفريقي.
يتم تجميد أدوات الضغط غير المباشر.
تُعاد توجيه القدرات العسكرية نحو مسارح أكثر حساسية (الخليج والبحر الأحمر).
بهذا المعنى، إيران لم تعد طرفًا في صراع إقليمي فقط، بل أصبحت “محدد سرعة” لإيقاع النظام الإقليمي كله.
وإذا جمعنا بين:
الحديث عن تفكيك الهامش الجنوبي في السودان
وتصاعد الوجود العسكري المصري في الخليج
وإعادة التموضع داخل منظومة بحر أحمر ممتدة
فإن الصورة الأكبر تشير إلى انتقال استراتيجي من: “عقيدة الضغط الجغرافي في الأطراف” إلى “عقيدة إدارة البقاء داخل نظام إقليمي مضغوط”
في هذه المرحلة:
لا تُفتح جبهات متعددة.
لا يُسمح بتصعيد متزامن.
ولا تُستخدم أدوات ضغط قديمة إذا كانت كلفتها أعلى من فائدتها.
في المجمل ما نراه ليس بالضرورة “بيع خريطة النيل” أو “شراء مظلة الخليج” بالمعنى الحرفي، بل إعادة توزيع قسري للأدوار داخل نظام إقليمي يتشكل تحت ضغط احتمال حرب أوسع.
النموذج الجديد يقوم على ثلاث قواعد صارمة:
تقليل جبهات الاحتكاك بدل توسيعها.
تحويل أدوات الضغط إلى أدوات إدارة.
نقل مركز الثقل من الأطراف (القرن الأفريقي) إلى العقد المركزية (الخليج والبحر الأحمر).
بمعنى أدق: مصر لا تخرج من الجنوب ولا تندفع نحو الخليج، بل تعيد تموضعها داخل نظام لم يعد يسمح بسياسات الضغط المنفردة، ويجبر الجميع على العمل داخل هندسة توازنات أكبر من الدول نفسها.
وفي مثل هذا النظام، لا تكون التحركات العسكرية إعلان قوة أو ضعف… بل إشارات مبكرة إلى شكل النظام الإقليمي القادم قبل أن يكتمل ظهوره النهائي.