كتاب وشعراء

قصة (شيء من تلك المكاشفة.) …محمد الطايع / المغرب

أبي عاش حياة رائعة، أفضل من حياتي لو عشتها مرتين أو ثلاثة. تزوج أبي امرأتين، ولم أتزوج نصف امرأة. أنجب تسعة أبناء، وضاعت نطفي هباء. أعال أسرته، ولم أعل أحدا.

حافظ والدي على الصلاة، لم أصل ولا ركعة. صالح المتخاصمين، لم أصالح حتى نفسي. عمل بجد وكفاح ثمانين عاما. ولم أعرف كيف أستمر في عمل واحد. أجاد السباحة وركوب الخيل والدراجات النارية، بينما لم أركب ولو حمارا.

بكامل قوته عاش، بكامل أسنانه وسواد شعره، بصوته الذي يعلو ولا يُعلى عليه، لم يشرب خمرا ولم يدخن سيجارة واحدة، على عكسي أنا الذي شربت حتى الإفلاس، ودخنت وقتي كله في لفافة.

الآن أعترف أن أبي كان رجلا عظيما، ربما لأنه لم يقرأ في حياته كتابا واحدا، ولم يعترف لعلامة واحد بما له من مكانة. مثلما لم يغفر لأي متطفل تجاوز معه أدب التعامل أو الكلام، أما أنا فقد سامحت الجميع، سامحتهم رغما عني.

بكفه الأكبر من كفي، صفع الكثير من رجال العائلة ونسائهم، اغتصب امرأة جميلة، ضاجع الغواني رغما عنهن أو بمقابل، قتل في غابات الأطلس الكثير من الجن والأفاعي، ولم أقتل أحدا. ألَّبَ المصلين على أئمة المساجد، فأزاحهم من محاريب الصلاة، أما أنا فلن أفعل مثل هذا أبدا.

كسر الكراسي فوق رؤوس خصومه، أنقذ العاملات المسكينات من لصوص الطرقات، فتح بيته لعابري السبيل الجوعى العراة، فآواهم وأطعمهم وكساهم من أثوابه. حفر القبور تطوعا، غسل الموتى، واجه كتيبة من المخازنية وأعوان السلطة وحده بهراوة، أقام في مطمورة شهرا كاملا هاربا من العدالة.

جادل أبي في كل موضوع شاق سياسي أو تاريخي، بعلم وبنصف علم وبغير أدنى معرفة، وكان في كل جدال صاحب حجة ولو بالصراخ والتهديد بالضرب أو التشهير، فكان في حديثه مفحما، ظالما غير مظلوم، يهتك الأعراض، يقذف المحصنات، يغتاب ينم يغش يثرثر يقهقه، يتحرش بالأرامل والمطلقات، يشهد بالحق ضد الأقوياء، يُفتي بغير علم، لكنه لم يشرك بالله ولا مرة، فقد كان خصما لكل مشعوذ دجال، وكل ساحر فاجر يزعم أن لله شركاء

أكل الوالد الكثير من اللحم والفواكه والأرغفة، شرب بحارا من الشاي بالنعناع، ذبح أكثر من مائتي خروف وألف دجاجة، تصدق من حر ماله على المعوزين، بخل على أعز أصحابه، عاتب، جافى، تصالح، آخى، خالف، فعرف، ثم مضى لحال سبيله، له ماله وعليه ما عليه.

مات أبي وليس في ذمته دين، بعدما عاش على هواه، يمشي كيفما اتفق، ينهى عن بعض المنكر ويمارس بعضه. لا يتودد لغني، ولا يركع لذي سلطان، حرا مثل أسد في غابة، يرد الصاع لكل معتد صاعين، ثم جاءه ملك الموت، بعدما شبع من الدنيا، فرافـقـه يحمل على عاتقه أطنانا من الحسنات والسيئات.

نعم، لقد عاش حياة حقيقية، لم يُعص له فيها أمر، إلا عصياني أنا، ولم تُهمل له كلمة، لولا تصادم بعضها مع كلماتي أنا. وعلى النقيض تماما، قضيت حياتي في الكتابة ومشاهدة أفلام الخيال العلمي، بينما عاش أبي واقعه حاضر الانتباه، متقلبا بين الصمت احتجاجا، والتباهي فخرا، والظاهر أن الحياة تعاش كما عاشها هو، لا كما عشتها أنا.

محمد الطايع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى