كتاب وشعراء

الحقيقة العارية.. بقلم الشاعر المبدع: عبدالكريم بعلبكي

هناك أرواحٌ، لو ناولتها ومضةً من وُدّ،
لظنّت أنَّ الشمسَ تسلّلت من جيبها.

نحن لا نغرس في حدائقهم غير غصنٍ من الالتفات،
فإذا هم يعلّقون عليه فصولاً من التأويل،
ويُسمِّنون ظنونهم بحبَّات الوهم،
حتى تنتفخ كغيومٍ مُثقلةٍ بالفراغ.

يقرأون في بياض الكفّ خرائطَ لم تُرسَم،
ويستخرجون من صمت النهر هديرَ شلالاتٍ
لا تسكن إلا في كهوف سوء الظنّ.

إنّ بعضهم لا يرى الهدية،
بل يرى ظلّها يتسلَّق جدار روحه؛
فإن كان الجدارُ أحدبَ،
خرج الظلّ أحدبَ المعنى،
مكسورَ الدلالة.

وما كان الاهتمام إلا زهرةً ألقاها عابرٌ على هامش الطريق،
لكنّ الوهم حوَّلها في أعينهم
إلى شجرة نسبٍ بين التراب والمجرّة.

فإذا انصرف الودّ كما جاء،
خفيفاً كنسيمٍ لا يحمل سوى نفسه،
بقوا يطاردون أثره،
ويُقلِّبون رماده بحثاً عن جمرةٍ لم تُوقَد،
ويستجوبون الصدى عن كلماتٍ لم تُنطَق.

وحين انكشف الخواء،
لم تكن الدهشة أن لا شيء كان هناك،
بل أنّ أوهامهم كانت جداراً من الضخامة
حجب عنهم الحقيقة العارية،
الواقفة في العراء،
لا تلفّها خرقةُ تأويل.

ويا للعجب…

لم يكن في البئر سرّ،
ولا في الريح وصيّة،
ولا في الباب الموصد كنز.

كلّ ما ثمّة:
صوتُ الوهم
وهو يؤثّث غرفةً بلا جدران.

ثم جاءت الحقيقة متأخّرةً كعادتها،
فوجدتهم قد شيّدوا من الظلال قصوراً،
ومن الإشارات أناجيلَ،
ومن حسن ظنّهم بأنفسهم
مرايا يُقدّسونها.

ويا لآخر الدهشة…

كان القمر في السماء طوال الوقت،

لكنّهم أمضوا الليل كلّه
يُحاكمون الإصبع،
ولم يرفعوا رؤوسهم
مرّةً واحدة
إلى الضوء

بقلم: عبدالكريم بعلبكي
لبنان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى