
كتب ميلان كونديرا في كتابه النقدي: “الستارة” عن التحولات في التشيك بعد سقوط النظام الشيوعي: ـــــ” قال لي صديق عاش في براغ طوال الوقت:
إن بلزاك هو ما سنحتاجه، لأن ما تراه هو إحياء للمجتمع الرأسمالي بكل ما فيه من قسوة وسخف، مع فظاظة النصابين ومحدثي النعمة.
لقد حلت البلاهة التجارية محل البلاهة الايديولوجية، وحلّ النصابون محل الرفاق، إلا أن ما يجعل هذه التجربة جديرة بالتصوير، هو أنها تحتفظ بالقديمة طازجة في ذاكرتها، وان التجربتين تتداخلان،
وأن التاريخ كما في عصر بلزاك يُخرج مسرحية معقدة لا تصدق”
كثيرون يكرهون السلطة، أي سلطة كانت لكن من النادر جداً أن يعرف هؤلاء أن السلطة ليست جيشاً وشرطة بل عقلية ورؤية للحياة والآخر.
السلطة لا توجد في المؤسسات فحسب وهو ما صار معروفاً في
الفكر الحديث الذي إكتشف أن السلطة توجد في الحجوم المجهرية والتكوينات الاجتماعية الصغيرة كالأسرة والمدرسة والشارع والمنظمة والخ، وهي روافد تصب في النظام السياسي الذي هو منتوج اجتماعي، ولا يتغير ما لم تتغير روافده.
السلطة تختفي خلف أقنعة وشعارات أخلاقية ونصائح وخلف قوانين وتقاليد وقواعد. نظام الأرشيف مثلاً في الدول هو شكل من أشكال المراقبة
بصرف النظر عن الدوافع، دوائر الشرطة والمستشفيات ومكاتب العمل
تحمل سجلات وملفات دقيقة عن الفرد وتحدد العلاقة معه،
وفي مجتمعنا يتسع نظام المراقبة من المؤسسة الأمنية
الى الشارع والجيران والأصدقاء والأحزاب، الكل يؤرشف للكل والنتيجة نظام فظيع من البصاصين والرقباء والمخبرين لدوافع مختلفة وحتى للتسلية والوشاية وسلاح عند الاختلاف والخصومة الشخصية.
هذه الايام تجري في العراق حملة اعتقالات منظمة لكبار اللصوص لكن الفساد المهيكل المؤسساتي لا يمكن القضاء عليه باعتقال حفنة لصوص وترك المؤسسات والاحزاب المنتجة. ما يجري هو عملية” ترقيع” للنظام والحفاظ عليه والتخلص من لصوص أدوات لعبوا دورا في عرقلة بناء دولة وانتهت صلاحيتهم. بعد حفلة الصخب هذه ستكون الثروة من حصة شركات أجنبية ودول ومصارف ومافيات كما حدث في تأميم النفط في النظام السابق عندما انتقلت الثروة من شركات اجنبية الى سلطة دكتاتورية.
ما يجري ليس عملية إصلاح جذرية بل حفلة ضجيج. في اليأس والصمت والترقب يبدو الضجيج المنظم كإنقاذ لكنه وهم الأوهام كما يلوح السراب لتائهين في الصحراء كمنقذين. ليس أكثر من الأمل واليأس والإنتظار في صناعة الأوهام.
في نظام قمعي طويل تزرع السلطة ذاتها في نفوس ضحاياها الذين يكرهونها لكنهم لا يعرفون غالباً أن السلطة تزرع معاييرها بالقسوة والإكراه والتلقين والاعلام والمناهج في النفوس،
بحيث يتحول الفرد نفسه إلى سلطة متنقلة دون أن يدري.
تتجلى هذه الظاهرة مثلاً في المنافي أوضح عندما يقع شجار بين منفيين فيقول أحدهم للآخر: ” إنتظر قليلاً، سيصل ملفك”.
حكاية ” الملف” من قاموس أمني سلطوي من مفاهيم وتهديدات رجال الأمن لأن الملف أهم من حياة الشخص بعد أن تم تحنيط الانسان في ملف في درج مكتب ،
مع أن الانسان يمر في حياته كل يوم بمجموعة تحولات نفسية وجسدية وعقلية وثقافية،
ومع ذلك هو ملف” محنط” في مكتب أو في حاسوب ويحمل رمزاً للحفظ مثل أي شيء آخر ويكفي أن تضرب على الكود الرمز ليخرج هذا الانسان . بل وصل الأمر الى أن البعض يدعي في الخصومة انه اطلع على تقارير طبية عن الحالة العقلية للخصم للتشهير كما لو ان هذه الدول الديمقراطية تتبع تقاليد ” سوق مريدي” حيث يمكن الحصول على أية وثيقة وشهادة مزورة.
إن الملك والحكومة والبرلمان وحتى الأسرة هنا لا يستطيعون الحصول على تقرير طبي لمواطن بلا قرار من محكمة عليا أو موافقته هو لكن يتم تمرير هذه الاكاذيب على مغفلين لا يعرفون طبيعة القوانين في الخارج.
هناك صنف من الكتاب لا يحضرون في ندوات ولا في مقابلات ويحبون العمل في عزلة دون ضجيج ولا ترويج لكن القطيع يميل إلى الكائنات الاجتماعية، لذا فإن من يشذ عن هذه القاعدة يُنظر إليه بريبة كسوداوي او يعاني من فوبيا مع انه يمارس الحق الطبيعي ــــــــــــــــ وليس السياسي ــــــــــ في اختيار نمط الحياة وكيف يفكر ويختار.
هذا النوع من الابتذال والوصم في مجتمع مغلق ولم يحدث في مجتمعات مفتوحة حيث الحق في الاختيار متاح للجميع: فرانتس كافكا، مارسيل بروست، أو الروائي باتريك سوزكيند مؤلف رواية” العطر”وميلان كونديرا و ج. م. كوتزي مؤلف” في انتظار البرابرة” الذي اعتذر عن حضور حفل نوبل المخصص له، وغيرهم الكثير عاشوا سنوات في عزلة عن الضجيج لا عن الحياة.
المجتمع المغلق يرى في التمايز والفردية تهديداً لأن الفرد برغي في عجلة كبيرة وليس شخصاً مستقلاً. الاستقلالية تعني الانحراف والمرض. الخوف من الفردية رهاب المجتمع المغلق المبرمج على مواجهة الحياة كجماعة. عزلة الكاتب في مجتمع مغلق هي مقاومة صامتة. رفض الاندماج حرية فردية.
المخلوقات المستلبة الشاحبة من الداخل تبحث دائما عن معارك تبرر وجودها وشعورها بالدونية: المنفى حقل اختبار يوضح هذه العاهات وفي تفاصيل صغيرة وليس عندنا حقل دراسات المنفى Exile Studies عن تحولات الهوية والوطن والاغتراب كما في دول أخرى ومن قبل فلاسفة كأدوارد سعيد وحنة أرندت وتودروف البلغاري الأصل الفرنسي الجنسية والالماني ثيودور أدورنو عن دور المنفى في كشف حالات الاغتراب النفسي ومحاولات استدعاء المكان القديم. المفارقة نحن لا نملك حقل دراسات متخصص عن الاغتراب النفسي في الوطن الذي صار منفى. كل ما في الوطن يظهر بوضوح مشع في المنافي، بل يمكن تحديد مستقبل البلاد من حالة منفيين في بلدان ديمقراطية وكيف يتصرفون.
تعرفت على نماذج عراقية تمارس الكتابة والادب في الخارج منذ أكثر من ربع قرن في دولة تطرفت في الديمقراطية والحقوق الفردية وفي كل مرة أكتشف أنهم أسوأ من السابق في المعارات الصبيانية لكنهم على الورق مخلوقات مختلفة . لغة الأدب والثقافة لغة كتب وقراءات، سطحية، ولطش وعائمة للتمشدق وتختفي عند الغضب لتفسح المجال للغة السوقية الأصل العميقة والمتجذرة. أستطيع ذكر أسماء معروفة لو أردت بالأدلة الموثقة.
هذا الانفصام بين الواقع والكتابة لم يحدث في الخارج بل هو مجلوب من البيئة الاصلية ومنقول الى مكان نظيف كما يفعل خنزير بحديقة مشرقة عندما يحولها الى مستنقع آسن لكي تتلاءم معه .
التغيير الفكري ليس تذكرة سفر او الحصول على لجوء سياسي او جواز سفر بل رحلة عميقة وشاقة وصراع داخل الذات وثقافة بديلة.
ليس أبشع من الخوف في تشويه حياة الانسان وتحويله إلى جيفة مشاعر متنقلة بأناقة معطرة ومظهرية في الخارج. من السخرية التي تفتقر لهيبة الضحك والفكاهة، أننا بعد كل هذه الكوارث ننتظر رجلاً شريفاً ونزيها وقوياً يغير حياتنا ولا ننتظر مؤسسة قوية ونزيهة وعادلة لان فكرة الرجل المنقذ راسخة في الوعي العام.
الرجل القوي والنزيه والكفوء يحتاج الى مؤسسة وبيئة نزيهة وقوية وكفوءة ونظيفة أو يصبح مثل صوفي زاهد يلقي موعظة أخلاقية في ساحل للعراة.
مع كل التجارب الكارثية نعيد التجربة مرات دون أن نشعر بالخجل. الخجل ينبع أساساً من الخوف من نظرة المجتمع، فإذا كان المجتمع كله يمر بنفس التجربة، يختفي “الآخر” الذي نخجل منه وكما يقول المثل” إذا عمّت، هانت” أو “حشر مع الناس عيد”. عرض أقل