رؤي ومقالات

إبراهيم نوار يكتب:إيران وتحديات الانتقال من «اقتصاد المقاومة» إلى «ثمار السلام»

بعد ما يقرب من 47 عاما من الحياة تحت قسوة العقوبات الاقتصادية (1979 – 2026) يحلم الإيرانيون بحياة خالية من تأثير تجميد الأرصدة المالية، وحظر الاستيراد والاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا، وكافة أنواع العقوبات الاقتصادية التي ظلت تحرم المواطن الإيراني من العيش كإنسان طبيعي منذ قررت الولايات المتحدة تجميد كافة الودائع الإيرانية بعد أزمة الرهائن في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1979 بمقتضى الأمر التنفيذي 12170 بتجميد أصول الحكومة الإيرانية في الولايات المتحدة (12 مليار دولار)، وذلك قبل أن تكمل حكومة إيران الأولى بعد الثورة عامها الأول. العقوبات بدأت لكنها لم تتوقف، بل زادت واتسعت. بعد قرار تجميد الأصول بأشهر قليلة صدرت في نيسان/أبريل 1980 قرارات بتوسيع نطاق العقوبات الإضافية لتشمل حظراً تجارياً واسع النطاق، وقيوداً على الصادرات إلى إيران، والمعاملات المالية، والسفر. وعلى الرغم من أن إيران لم تنكسر اقتصاديا طوال ما يقرب من خمسة عقود من الزمان، إلا أن حجم التضحيات كان فادحا ومؤلما لما يقرب من جيلين من الإيرانيين. ومع أن الشعور بالفخر القومي يغمر كل بيت في إيران تقريبا بعد توقيع مذكرة التفاهم التي تنهي الحرب الأمريكية، وتفتح أبواب الأمل في حياة مستقرة وعلاقات طبيعية مع العالم، فإن الحصول على ثمار السلام يمر بطريق صعب طويل، لأن مسؤوليات تحقيق الرخاء أصعب كثيرا من مسؤوليات تحقيق الانتصار في الحرب. في مصر على سبيل المثال تحولت أحلام السلام الوردية وثمار توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل بعد حرب أكتوبر إلى كابوس ثقيل. وبدلا من أن تحصل مصر على الرخاء الموعود بعد الحرب، فإنها لا تزال تعاني حتى الآن من قسوة الضغوط الاقتصادية. وكما تعلمت الصين درس روسيا في العلاقات مع الولايات المتحدة، فإن إيران يجب أن تتعلم درس مصر الاقتصادي بعد إنهاء الحرب مع إسرائيل.
صورة الاقتصاد الإيراني في الوقت الحالي تبدو صعبة وبائسة بمقاييس المؤشرات الكلية مثل التضخم والبطالة ومعدلات النمو الاقتصادي القطاعية والإجمالية وقيمة العملة الإيرانية مقابل العملات الأجنبية. ومن المعتقد أن الوضع الاقتصادي وصل في الأسابيع الأخيرة إلى نقطة حرجة بسبب أعباء الحرب والحصار البحري، لكن قوة الإرادة كانت تتغلب على الصعوبات وشظف الحياة بالنسبة للأغلبية العظمى من الإيرانيين وفئات الطبقة الوسطى. وطبقا لبيانات البنك المركزي الإيراني وصندوق النقد الدولي فقد ارتفعت تكلفة المواد الغذائية الأساسية بشكل كبير على أساس سنوي: زيت الطعام +430 في المئة، والبيض +345 في المئة، واللحوم الحمراء +176 في المئة. كما اتسع نطاق البطالة ليصل إلى 25 في المئة من قوة العمل. وخسر ما يقرب من مليون شخص وظائفهم بسبب تدهور الأداء الاقتصادي في القطاعات المدنية. وبلغ معدل التضخم حوالي 77 في المئة، وزاد معدل انتشار الفقر كما زادت حدته إلى ما يتراوح بين 30 إلى 40 في المئة من السكان. ويقدر البنك الدولي عدد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر في العام الحالي بما يزيد على 33 مليون شخص. وتُقَدَّر قيمة الأضرار التي تعرضت لها البنية التحتية بسبب القصف الأمريكي والإسرائيلي بحوالي 270-347 مليار دولار، ما يؤثر بشدة على منشآت النفط والبتروكيميائيات. كما انخفضت بحدة قيمة العملة وهبط الريال الإيراني إلى مستويات قياسية متدنية مسجلا حوالي 42.000 تومان للدولار الأمريكي، ما أدى إلى تآكل قيمة مدخرات المواطنين. عند اندلاع الثورة الإيرانية كان الدولار الأمريكي يعادل حوالي 70 ريالاً إيرانياً.
وبحلول مطلع العام الحالي اقترب سعر صرفه 1.5 مليون ريال، ما يعني أن العملة الإيرانية فقدت نحو 20 ألف ضعف قيمتها منذ فرض العقوبات. إجمالا فإن العقوبات أدت إلى فصل إيران عن النظام الاقتصادي العالمي تقريبا، خصوصا في قطاعات التمويل والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا، ما خلق تشوهات محلية شديدة في قطاعات التجارة والتمويل والصناعة وفرص العمل المتاحة. ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد هذا العام بنسبة 6.1 في المئة، كما حذّرت الأمم المتحدة من أن 4.1 مليون إيراني إضافي قد ينزلقون إلى ما دون خط الفقر الدولي. وطبقا لمشروع البيانات المفتوحة لإيران (وهو مشروع بيانات إعلامي غير ربحي)، «تخسر إيران ما يقرب من 20 في المئة من عائدات صادراتها النفطية المحتملة في محاولاتها للالتفاف على العقوبات الأمريكية، وذلك على الرغم من ارتفاع كمية الشحنات إلى دول مثل الصين وماليزيا. وتشير تقديرات «بيانات إيران المفتوحة» إلى أن إيران حققت في السنة المنتهية في اذار/مارس 2025 حوالي 23.2 مليار دولار (19.81 مليار يورو) من صادرات النفط، بينما كان من الممكن أن تتجاوز إيراداتها 28 مليار دولار (23.9 مليار يورو) استنادًا إلى بيانات تتبع ناقلات النفط والأسعار المرجعية. ويمثل هذا نقصا يقارب 5 مليارات دولار (4.26 مليار يورو) مرتبطًا بتكاليف التحايل على العقوبات. ووفقًا للبنك الدولي، فقد عانت إيران من «عقد ضائع من النمو الاقتصادي» نتيجة التركيز المستمر على النفط وتدهور القطاعات الأخرى، وانكمش نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي قدره 0.6 في المئة في المتوسط ​​بين عامي 2011 و2020. وذكر تقرير للبنك الدولي أنه «في العقد الماضي، انزلق ما يقرب من 10 ملايين إيراني إلى براثن الفقر».
يتوقف الانتقال من اقتصاد المقاومة إلى اقتصاد السلام على مجموعة من القيود والمحددات التي تقرر مدى قابلة «تفاهم إسلام آباد» للبقاء المستدام، وعلى مدى توافق مراكز صناعة القرار في طهران على تعديل أنصبتها في حجم الناتج ونفوذها في اتخاذ القرار. وفي هذا الصدد فإن استدامة التفاهم نفسه لا تزال تصطدم بواقع «عدم الثقة» بين طهران وواشنطن، كما تصطدم بحقيقة أن اعتبار كل من إسرائيل ولبنان طرفين في الاتفاق من دون مشاركة أي منهما في المفاوضات سوف يخلق نزاعات في اليوم التالي. كذلك فإن الانتقال إلى اقتصاد السلام يتطلب تخفيف قبضة الدولة المركزية والأجهزة العسكرية على الاقتصاد، وفتح الباب للقوى المدنية والتكنوقراط والقطاع الخاص لحرية المشاركة في الملكية والإدارة، ما يمكن أن يثير احتكاكات مع بعض المؤسسات ذات النفوذ الاقتصادي الكاسح. ومع أن المادة السادسة من تفاهم إسلام آباد تنص على تعهد الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها بالمنطقة، ⁠بإعداد خطة نهائية متفق عليها بين الطرفين لإعادة الإعمار وتحقيق النمو الاقتصادي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، فإن مصير هذه المبادرة يتوقف على نتائج الاتفاق النهائي.
وتقوم فكرة اقتصاد المقاومة على تعبئة الحد الأقصى من الموارد المتاحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتقليل الاعتماد على الخارج، خصوصا في مجال احتياجات الاستهلاك من السلع الأساسية والخدمات، وأهمها الطاقة والغذاء والتعليم والصحة، وإبطال أي تأثير خطير لنظام العقوبات، بزيادة القدرة على التحمل. وهكذا فإن إيران ردت على العقوبات والحصار الاقتصادي بتطوير نموذج محلي للاعتماد على النفس يستفيد إلى حد كبير من وفرة إمدادات الطاقة المحلية، والتنوع الطبيعي والبيئي الذي يسمح بزيادة الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية، واستطاعت خلال سنوات قليلة أن تقطع شوطا مهما في بناء ما يُعرف بـ«اقتصاد المقاومة»، الذي أصبح ركيزة أساسية لاستراتيجياتها التنموية والسياسية. وقد تصاعدت حدة تأثير العقوبات بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 بقرار من الرئيس الحالي دونالد ترامب، ما أعاد إيران إلى عزلتها الاقتصادية وعرقل استثمارات ضخمة في قطاعات حيوية كالأدوية والسيارات والطاقة. وردا على التحديات التي فرضها نظام العقوبات، طرح المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي طريقا لاستراتيجية المقاومة يشمل الاستقلال في مجال الطاقة، عن طريق بناء مصافي نفط لمعالجة الوقود محليًا وتصدير الفائض، مما يقلل اعتماد إيران على واردات البنزين. إضافة إلى تحقيق الأمن الغذائي عن طريق الاستثمار في محاصيل أساسية كالقمح لتلبية احتياجات السوق المحلية. وفيما يتعلق بزيادة القدرة المحلية على الردع يتضمن اقتصاد المقاومة تطوير تكنولوجيا عسكرية مبتكرة رخيصة الثمن وفعالة الأداء تشمل إنتاج طائرات بدون طيار وصواريخ وأقمار اصطناعية لتعويض النقص في القوة الجوية الإيرانية. وفي سياق بناء اقتصاد المقاومة سعت إيران أيضا إلى تنويع الشركاء التجاريين وإقامة شراكات جديدة مع الصين والهند وتركيا والعراق، وتنفيذ اتفاقيات المبادلات التجارية العينية (المقايضة السلعية – «النفط مقابل السلع»،) للتغلب على تجميد الأموال، مع بعض دول الخليج. وكان النجاح في بناء اقتصاد المقاومة هو العمود الفقري للتقدم الذي أحرزته إيران في مقاومة الضغوط. وفي هذا السياق بلغ حجم تجارتها غير النفطية 130.2 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مع نمو الصادرات بنسبة 15.6 في المئة ما يعكس نجاحها في تنويع أسواقها حول العالم خصوصا مع زيادة الاعتماد على الصين، وتجنب تأثير العقوبات النفطية باستخدام أسطول الظل البحري، وتنويع وسائل النقل من خلال زيادة الاعتماد على النقل بالسكك الحديد. كما طورت لقاحات محلية لمكافحة جائحة كوفيد-19، وأطلقت برامج فضائية بالاعتماد على قدراتها العلمية المحلية، تشمل استخدامات عسكرية إلى جانب الاستخدامات المدنية في قطاعات مثل الاتصالات ومراقبة التصحر وتحسين استخدامات المياه.
ومع أن اقتصاد المقاومة أسهم في استمرار القدرة على تمويل البرنامج النووي والصاروخي ومساندة الإنفاق العسكري بشكل عام، فإن هذا جاء على حسب تنمية القطاع الاقتصادي المدني، خصوصا الصناعات الهندسية على توفير فرص عمل كانت قد تلاشت، وزيادة الإنتاج المحلي والصادرات، خصوصا في قطاع الصناعات التحويلية التي تعادل حوالي 19 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وطبقا لأرقام عام 2022 (بيانات الأمم المتحدة) بلغ إجمالي الصادرات الايرانية حوالي 81 مليار دولار، في حين كانت قيمة الواردات حوالي 59 مليارا، أي بفائض بلغ حوالي 22 مليار دولار. ومن المتوقع أن يكون الأثر المباشر لحزمة الحوافز المالية المرتبطة بتنفيذ الاتفاق كبيرا جدا في تحريك عجلة الاقتصاد الإيراني في الأجل القصير. لكن انتقال إيران من اقتصاد المقاومة إلى اقتصاد السلام أو اقتصاد المنافسة يحتاج إلى خطة إصلاح هيكلي ذات أثر طويل المدى، أكثر من احتياجها إلى أموال يتم ضخها في قنوات الإنفاق المختلفة. كما أن اقتصاد السلام والمنافسة يحتاج إلى تغيير قواعد إدارة الاقتصاد، وتعديل أهداف النمو من مجرد العمل على توفير احتياجات الصمود والبقاء إلى إقامة قدرات اقتصادية جديدة تساعد إيران على التوسع والقدرة على المنافسة، خصوصا في قطاعات الصناعات التحويلية وأهمها صناعة السيارات والصناعات الهندسية المختلفة التي كانت تتمتع فيها بمزايا تنافسية كثيرة، وذلك إلى جانب القطاعات الأخرى الواعدة مثل السياحة والزراعة.
من ناحية التمويل، مع البدء في تنفيذ «تفاهم إسلام آباد»، سوف تتوفر للحكومة الإيرانية عدة مصادر مهمة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وبناء طاقات إنتاجية جديدة، إضافة إلى إعادة بناء وتطوير البنية التحتية المادية والتكنولوجية والمعرفية للاقتصاد. وليس من المستبعد أن تسهم منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين ودول مجموعة «بريكس» في إنشاء آلية متعددة الأطراف لتمويل مشروعات إعادة البناء والاستثمار في إيران مع الانتقال من اقتصاد المقاومة إلى اقتصاد السلام. وعلى الصعيد الإقليمي لن تقف دول الخليج العربية مكتوفة الأيدي تجاه هذه المبادرات التمويلية. وربما تنضم السعودية وقطر والكويت إلى الصندوق الذي أشارت إليه الولايات المتحدة أو أن تتولى دول الخليج العربية مجتمعة إنشاء آلية تمويلية لإصلاح أضرار الحرب والمشاركة في التنمية وبناء اقتصاد السلام في إيران. وكانت إيران قد طلبت خلال المفاوضات غير المباشرة تعويضات بقيمة 400 مليار دولار عن الخسائر الاقتصادية التي تسببت فيها الحرب، لكن الولايات المتحدة رفضت الطلب. وربما تكون فكرة الصندوق المشار إليه هي محاولة لإيجاد مخرج يقدم حافزا لإيران للاستمرار في المفاوضات التالية لإعلان الاتفاق والالتزام بتنفيذه. لكن القضية كما ذكرنا ليست في نقص التمويل المتوقع، وإنما في طبيعة الإصلاحات الضرورية لتحقيق الانتقال إلى اقتصاد السلام، وهي مسألة معقدة تحتاج إلى إصلاحات مؤسسية وسياسية وقانونية، نؤجل الخوض فيها إلى مقال مقبل بإذن الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى