
ما يلفت الانتباه في السلوك الإيراني ليس مجرد إطلاق الصواريخ أو استخدام الطائرات المسيّرة، بل الإصرار المستمر على تقديم الذات بوصفها طرفًا مكافئًا في معادلة القوة الدولية، حتى في اللحظات التي تتحدث فيها عن التفاهمات أو التسويات.
هذا ليس اندفاعًا أيديولوجيًا خالصًا، ولا مجرد خطاب تعبوي للاستهلاك الداخلي، بل جزء من بنية أعمق في التفكير الاستراتيجي الإيراني.
فإيران لا تتعامل مع الردع باعتباره امتلاك القدرة على إلحاق الضرر فقط، بل باعتباره قدرة على فرض الاعتراف بها بوصفها فاعلًا لا يمكن تجاوزه.
ولهذا يمكن فهم الضربات الأخيرة للحرس الثوري باعتبارها امتدادًا لما تحدثنا عنه سابقًا حول أسباب الجرأة الإيرانية في تحدي واشنطن.
إيران لا تتحرك من موقع الدولة التي تسعى إلى الانتصار العسكري التقليدي على الولايات المتحدة، فهي تدرك استحالة ذلك.
لكنها تتحرك من منطق مختلف:
أن الردع الحقيقي ليس هزيمة الخصم، بل رفع تكلفة تجاهله.
طهران نجحت خلال العقود الماضية في بناء ما يمكن تسميته بـ”الردع متعدد المسارح”.
فالضربة لا تعود بالضرورة إلى مصدرها.
يمكن أن تنتقل من الخليج إلى البحر الأحمر.
ومن مضيق هرمز إلى قواعد عسكرية في الإقليم.
ومن مواجهة بحرية محدودة إلى ارتدادات اقتصادية وجيوسياسية أوسع.
فالنظام الإيراني لا يرى نفسه مجرد دولة قومية تقليدية.
بل يرى نفسه مركز شبكة إقليمية معقدة من النفوذ والقدرات والأدوات غير المتماثلة.
ولهذا فإن العقوبات لم تُنتج انهيارًا.
والاغتيالات لم تُنتج تفككًا.
والضغوط العسكرية لم تُنتج استسلامًا.
بل ساهمت، paradoxically، في تعزيز فلسفة البقاء داخل النظام.
الأهم من ذلك أن إيران بنت عبر عقود سردية داخلية قائمة على أن الصمود نفسه شكل من أشكال الانتصار.
وفي هذا السياق يصبح التفاوض استمرارًا للصراع بأدوات أخرى، وليس نقيضًا له.
ولهذا لا يبدو متناقضًا أن تتحدث طهران عن تفاهمات سياسية، وفي الوقت ذاته تستهداف بنى أمريكية أو توسع دوائر الرد.
إنها معادلة تقوم على فكرة بسيطة:
السلام بالنسبة لإيران ليس إنهاءً للردع، بل نتيجة من نتائجه.
لكن الملاحظة الأكثر أهمية إبستمولوجيًا هي أن إيران لا تسعى فقط إلى امتلاك أدوات القوة، بل إلى إنتاج معنى سياسي للقوة.
أي تحويل القدرة العسكرية إلى اعتراف رمزي ومكانة دولية.
ولهذا تصر دائمًا على الظهور بوصفها طرفًا يفاوض، ويقاتل، ويردع، ويُعاقَب، لكنه لا يُقصى من المعادلة.
قد يكون هذا هو التفسير الأعمق لما يبدو للبعض جرأة زائدة أو مغامرة غير محسوبة.
بينما يراه صناع القرار في طهران ممارسة واعية لفلسفة سياسية تأسست منذ عام 1979:
إيران قد لا تستطيع أن تكون القوة الأولى في العالم.
لكنها ترفض أن تُعامل كقوة من الدرجة الثانية.
ومن هنا نفهم لماذا لا تتعامل طهران مع الرد العسكري باعتباره فعل انتقام، بل باعتباره إعلانًا دائمًا عن الندية السياسية.
فالهدف النهائي ليس تدمير الخصم.
بل منعه من التصرف باعتباره السيد الوحيد للنظام الإقليمي.
وهذه، في تقديري، إحدى أهم آليات البقاء الإيراني التي تجاهلتها كثير من الأدبيات العربية والغربية طوال العقود الماضية.
#كمائن_الحقيقة
……..
توضيح #منهجي
كثيرًا ما يُساء فهم التحليل عندما يُقرأ بوصفه إعلان انحياز سياسي مباشر. لذلك أجد من المهم توضيح موقفي:
أنا أكتب من موقع الباحث المهتم بفهم آليات القوة، وبنى الدولة، وكيفية عمل النظم السياسية والإقليمية، وليس من موقع الناطق باسم أي محور أو دولة.
على المستوى الشخصي والأخلاقي، لا أخفي موقفي الرافض للإمبريالية، والتوسع العسكري، والعنصرية الصهيونية، وما ينتج عنها من استباحة لحقوق شعوبنا.
كما أنني أرى في فعل المقاومة تعبيرًا أخلاقيًا عن حق المجتمعات في الدفاع عن نفسها أمام الاحتلال والهيمنة.
لكن هذا الموقف الأخلاقي لا يمنعني من النظر النقدي إلى جميع الفاعلين، ولا يدفعني إلى تحويل الكتابة التحليلية إلى خطاب تعبوي أو دعائي.
ما أسعى إليه هو فهم كيفية عمل القوة، لا تبريرها، وفهم منطق الفاعلين، لا تبني سردياتهم.
لذلك قد تقرأ نصوصي باعتبارها منحازة لإيران، بينما يراها آخرون منحازة ضدها، وربما يكون هذا التناقض نفسه دليلًا على أنني أحاول الحفاظ على المسافة الضرورية بين القناعة الأخلاقية والتحليل المعرفي.
فالتحليل الجيد لا يُقاس بمدى مطابقته لمواقفنا المسبقة، بل بقدرته على تفسير الواقع كما هو، قبل أن نحكم عليه كما نريد أن يكون.