إبراهيم نوار يكتب:التهديد الإسرائيلي لمشروع الاندماج الاقتصادي العربي
إستراتيجية إسرائيل لإقامة ممرات اقتصادية تربطها بالعالم وتجعلها جسر اتصال مركزي بين الشرق والغرب

فلسفة المقال: اعتدنا في أدبيات الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط أن نكتب أو نقرأ أن اقامة دولة إسرائيل في هذه المنطقة من العالم يؤدي إلى تمزيق مشروع الوحدة العربية، واغتيال حلم الاندماج الاقتصادي، وتمزيق أوصال العالم العربي استراتيجيا، وفي هذا قدر كبير من الحقيقة. لكن أي معادلة لوصف أو تحليل العلاقات بين دولتين أو أكثر لا تكتفي بوصف وتحليل تأثير السياسة المعينة على واحد من الأطراف فقط، بل أنها يجب أن تشمل أيضا تأثيرها على الطرف أو الأطراف الأخرى. وإذا اكتفينا بشطر واحد من المعادلة فإننا نرتكب خطأً منطقيا يفسد التحليل والاستنتاجات. في المثال الذي ضربناه بشأن تأثير زرع إسرائيل في هذه المنطقة من العالم على حلم الوحدة العربية بجوانبه المتعددة، يجب أن نتناول كذلك أهداف إسرائيل من سياستها تجاه المنطقة. إن دور إسرائيل هنا ليس لمجرد الهدم أو ممارسة القوة السلبية، وإنما له هدف يعود على إسرائيل بالنفع والمصلحة. في المرحلة الأولى من بناء الدولة الصهيونية كانت المهمة الأساسية هي زرع الكيان وتمكينه. وقد انتهت هذه المرحلة تقريبا. في المرحلة الثانية تهدف إسرائيل إلى تفعيل وجود الكيان، وتحويل عناصر قوته إلى نفوذ مادي ومعنويا. لم تعد المهمة إذن هي منع الآخرين من إقامة مشروع الوحدة، ولكنها هي بناء إسرائيل الكبرى، ونشر أجنحتها لتطير اقليميا وعالميا. في هذه المرحلة تمارس الدولة الصهيونية سياسات تهدف لتحقيق مهمتين في وقت واحد؛ الأولى هي التوسع الإقليمي المادي والمعنوي، ويتحقق ذلك بإقامة مناطق آمنة تتضمن وجودا عسكريا مباشرا على حدودها من الدول العربية من جميع الاتجاهات: مصر في الجنوب (ممر فيلادلفيا)، والأردن في الشرق (غور الأردن)، وسورية (الجولان) و لبنان (جنوب نهر الليطاني). إضافة الى ذلك تهدف إسرائيل إلى إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية بينها وبين دول المنطقة من داخل إطار فرضته هي يتمثل في اتفاقيات إبراهيم. المهمة الثانية هي تفعيل دور الدولة إقليميا وعالميا من خلال مجموعة من المشروعات، وليس عن طريق مشروع واحد فقط لتحويل إسرائيل إلى عقدة الاتصال المركزية بين الشرق والغرب في مجالات التجارة والطاقة والاستثمار والتطوير التكنولوجي والصناعات العسكرية والفضاء وغيرها من المجالات التي تصنع مستقبل العالم مثل تكنولوجيا أنظمة الذكاء الاصطناعي. في هذا المقال نقدم إشارة إلى بعض قنوات الاتصال (connectivity) التي يمكن أن تجعل من إسرائيل ممر العالم الرئيسي إلى تبادل المصالح. ويترابط مع هاتين المهمتين سياسات دائمة تهدف لتعزيز وجود الدولة وتكريس تمكينها الجيوسياسي من خلال تهميش الوجود الفلسطيني في فلسطين المحتلة، وتحويل غاية العمل في القضية الفلسطينية إلى تحسين ظروف الحياة للفلسطينيين، وقد يتحقق ذلك من خلال خدمات البلديات في بعض المجالات، أو بتقديم الإعانات، أو حتى بتوفير أوطان أخرى يعيشون فيها في الخارج من خلال منظمات صهيونية تعمل بجدية كبيرة على تهجير الفلسطينيين.
المقال التالي ليس غايته صياغة رسالة عن التهديد الإسرائيلي لمشروع الوحدة العربية. ولكنه يهدف إلى بعض ما وراء ذلك من منافع ومصالح تخص إسرائيل نفسها ومشروعها التوسعي إقليميا وعالميا.
…
في المرحلة الحالية تسعى الدولة الصهيونية للانتقال من مرحلة بناء الدولة القومية على أرض فلسطين التاريخية إلى مرحلة توسيع نطاق نفوذها الإقليمي من خلال وسيلتين، الأولى هي إقامة مناطق أمنية على طول محيط الأرض المحتلة في أراضي الدول المجاورة، والثانية هي إقامة ممرات اقتصادية عازلة عبر الإقليم برا وبحرا بحيث لا يتحقق الاندماج الإقليمي والاندماج مع العالم إلا من خلالها، لتكون هي جسر التواصل داخل الإقليم وبينه والعالم أجمع. وفي سبيل تحقيق ذلك تعمل الاستراتيجية الصهيونية على إقامة أربعة ممرات للتنمية بين الإقليم والعالم تمر جميعها داخل مناطق النفوذ الإسرائيلي و من خلال الأرض المحتلة. الممر الأول يمتد من شرق البحر المتوسط إلى أوروبا عن طريق اليونان وقبرص. والممر الثاني بين الهند وأوروبا عبر الإمارات والخليج والأرض المحتلة والبحر المتوسط. الممر الثالث بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى عبر أذربيجان. أما الممر الرابع فيربط بين المحيط الهندي وشرق البحر المتوسط عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وتعمل إسرائيل على إقامة وتطوير هذه الممرات الاقتصادية الأربعة، و تجنيد كل مجهودها الاقتصادي الخارجي من أجل إقامتها وتطويرها وتثبيت السيطرة عليها، بحيث تكون هي في الموقع الذي تستطيع منه إضعاف الدول الأخرى أو السماح لها بالقدرة على التواصل الجماعي مع العالم. كما سعت خلال السنوات الأخيرة إلى وضع مجموعة من الأطر المؤسسية والتنظيمية لعلاقتها الاقتصادية مع الدول العربية، تتكون حتى الآن مما يسمى اتفاقيات إبراهيم، ومنتدى النقب للتعاون الاقتصادي، ومنتدى الغاز لدول شرق المتوسط الذي يضم دولا أوروبية والولايات المتحدة. وتمر العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والدول العربية من خلال مجموعة من القنوات والترتيبات ذات الطابع الثنائي، مثل اتفاقيات تصدير الغاز إلى كل من مصر والأردن، واتفاقيات تصدير السلاح مع كل من الإمارات والمغرب والبحرين وبروتوكولات تعاون وشراكة متنوعة ملحقة باتفاقيات إبراهيم. وعلى التوازي مع التوتر في العلاقات مع بعض الأطراف العربية بسبب حرب الإبادة في غزة، ومحاولات ضم الضفة الغربية من خلال توسيع الاستيطان والاحتلال وتقطيع أوصال التجمعات السكانية العربية، باستخدام جيش الاحتلال وعصابات جماعات المستوطنين، فإن الفترة منذ مجئ حكومة نتنياهو الحالية حتى الآن سجلت أكبر موجات التوسع الاستيطاني الرسمي وغير الرسمي في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ توقيع اتفاقية أوسلو.
دور الغاز والسلاح
تعاني المنطقة العربية من عدم التوازن الاقتصادي بين دولها، ما يمثل سببا من أسباب تعارض المصالح بينها. على سبيل المثال فإن دول الخليج لديها فائض في الطاقة والسيولة المالية، والنفوذ، لكنها تعاني في الوقت نفسه من العجز البشري، من حيث الكم والكيف على السواء. أما مصر والأردن فتتمتع كل منهما بفائض جيو اقتصادي من حيث طبيعة الموقع والاستقرار النسبي سياسيا واجتماعيا والقوة الناعمة. لكنهما في الوقت نفسه تعانيان من عجز في الطاقة والسيولة المالية والإنتاج. وفي مقابل ذلك فإن إسرائيل تتمتع بوجود فائض في الإنتاج والغاز ورأس المال والتكنولوجيا المتقدمة والمهارات البشرية، لكنها تعاني من القيود المفروضة على تدفقات السلع والموارد الأخرى عبر الحدود بينها وبين دول المنطقة بشكل عام بسبب الطبيعة العدوانية لسياساتها تجاه الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. هذا يعني أنه لا توجد دولة واحدة تملك جميع ركائز القوة الاقتصادية. وطبقا لمفهوم الاندماج الإقليمي الإسرائيلي، فإن القوة الاقتصادية الإقليمية تتحقق من خلال التكامل بين رأس المال الخليجي و التكنولوجيا الإسرائيلية والعمل المصري والاستقرار الأردني. ولكن نظرا لأن مستوى الثقة السياسية منخفض جدا بين إسرائيل والدول الأخرى وبين تلك الدول وبعضها البعض، فإن كلا منها تعمل على تعويض العجز من خلال الارتباط بقوى خارج المنطقة أهمها الولايات المتحدة والصين وتركيا وروسيا والاتحاد الأوروبي. ومن الملاحظ في هذا السياق أن الدول العربية تتعامل مع العالم كدول فردية وليس ككتلة لها قوة اقتصادية مشتركة. كما يلاحظ أيضا أنها جميعا أكثر ارتباطا بسلاسل الإنتاج والإمدادات التي تخدم الطلب العالمي الخارجي. في المقابل فإن إسرائيل تسعى إلى بناء قاعدة للمصالح المشتركة مع شركائها التجاريين، وتطوير أطر عمل دقيقة وحية لإقامة علاقات متعددة الأطراف من خلال هؤلاء الشركاء، لخدمة عملية بناء قوة اقتصادية محلية مؤثرة على المستويين الإقليمي والعالمي.
ممرات النفوذ الاقتصادي
تعمل إسرائيل على تطوير استراتيجية متعددة الجبهات لإعادة تشكيل موقعها الإقليمي، وبناء شبكة من الشراكات الاستراتيجية التي تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى القوقاز وجنوب آسيا والمحيط الهندي والبحر الأحمر. هذا التكامل ليس دبلوماسيا فحسب، بل ينطوي على بنية تحتية عميقة وطاقة وتعاون أمني – ما يخلق ممرا جغرافيا اقتصاديا يتجاوز المنافسين التقليديين.
شرق البحر المتوسط
تفتح العلاقات بين إسرائيل واليونان وقبرص ممرا استراتيجيا متعدد الأغراض، يربط بين شرق المتوسط والقارة الأوروبية، يعتمد على التجارة والاستثمار في مجالات الطاقة والاتصالات ونقل التكنولوجيا والسلاح، تلعب إسرائيل الدور الرئيسي في هندسة بنيته الأساسية، وتدير من خلاله جزءا مهما من علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي والقارة بشكل عام. وتتضمن أهم معالم هذا الممر استثمارات الغاز التي تقوم بها الشركات الإسرائيلية وشركة شيفرون الأمريكية، ومد خط كابلات كهربائي ضخم تحت سطح البحر لربط شبكة الكهرباء الإسرائيلية بأوروبا عبر اليونان. كما يتصل ممر شرق المتوسط بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC). ومن شأن هذا الاتصال بين ممر إسرائيل – اليونان- قبرص، وممر الهند – الخليج – شرق البحر المتوسط – أوروبا أن يجعل إسرائيل قوة إقليمية للطاقة وجسرا للتواصل بين الشرق والغرب. ولا يملأ ممر شرق المتوسط فراغا في البنية الاساسية للاتصال الاقليمي بين آسيا وأوروبا فقط، وإنما يضيف أيضا نقطة قوة مهمة لمصلحة إسرائيل في مواجهة النفوذ التركي. وتعتبر تركيا نفسها البوابة الطبيعية إقتصاديا وجيوستراتيجيا لدول آسيا إلى أوروبا، ومن هنا فإن هناك منافسة شرسة بين البلدين تتجلى حاليا في ظهور مشروع تركي مضاد لممر شرق المتوسط البري/البحري، يتمثل في العمل على إحياء خط سكك حديد الحجاز الذي لعب دورا محوريا في العلاقات الاقتصادية بين العرب والأتراك حتى الحرب العالمية الأولى.
الهند شريك اقتصادي استراتيجي
تعتبر الهند جزءا من استراتيجية إسرائيل لتطويق إيران، ومركزا من مراكز الربط بين آسيا وأوروبا، وشريكا أساسيا في إقامة محور لحماية المصالح المشتركة بين الدولتين لتأمين طرق التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر. ومن هنا نشأ ارتباط بين طموحات الهند الاستراتيجية في القرن الأفريقي وأفريقيا بشكل عام وبين المصالح الأمنية لإسرائيل. وتعمل إسرائيل على تشجيع صيغة للتعاون الاقتصادي الثلاثي تضمها مع الهند والدول الأفريقية بغرض التصدي للنفوذ الاقتصادي الصيني في القارة.
أذربيجان و محور آسيا الوسطى
تعتبر أذربيجان في الوقت الحاضر أهم ذراع لإسرائيل في آسيا الوسطى، من حيث تنوع وقوة العلاقات بين الطرفين في مجالات التعاون الأمني والدفاعي والتكنولوجي والاقتصادي والسياحي. وقد
كانت الطائرات الإسرائيلية بدون طيار والتكنولوجيا الحيوية مفتاح النجاح العسكري لأذربيجان في الحرب مع أرمينيا. وتشتري أذربيجان من إسرائيل حوالي 70 في المئة من أسلحتها من إسرائيل. في الوقت نفسه فإن آذربيجان تمثل المورد النفطي الرئيسي لإسرائيل، حيث تغطي إمداداتها النفطية ما يتراوح بين 40 إلى 60 في المئة من احتياجاتها. كذلك تسعى إسرائيل إلى فتح أبواب الشرق الأوسط للنفط الآذاري، حيث توسطت في اتفاق مع سوريا لاستقبال إمدادات نفطية من أذربيجان لتدعيم محطات توليد الكهرباء التي كانت تعاني من انقطاعات مستمرة قبل و بعد سقوط نظام الأسد. وإضافة إلى توفير أمن الطاقة لإسرائيل تلعب أذربيجان دورا مهما وموطئ قدم استراتيجي على الحدود الشمالية لإيران.
ممر الاتفاقيات الإبراهيمية
في سعيها للنفاذ اقتصاديا إلى أسواق المنطقة دخلت إسرائيل أربع حروب كبرى مع الدول العربية والفلسطينيين على مدار أكثر من 30 عاما (1948 – 1956- 1967 – 1973) قبل أن تحصل على اتفاقية للسلام مع كبرى جاراتها، مصر عام 1979، ما فتح الباب لأول اتفاقية لتطبيع العلاقات تسمح للإسرائيليين بالسفر من إيلات إلى طابا برا من دون تأشيرات للعبور، ومن تل أبيب إلى القاهرة جوا من دون قيود على حركة الطيران، ما سهل فتح الكثير من قنوات التجارة والسياحة والتبادل التكنولوجي. بعد ذلك كان على إسرائيل أن تنتظر 15 عاما حتى تحصل على اتفاق التطبيع مع الأردن. ثم توقفت عجلة التطبيع الرسمي عن الدوران لمدة ربع قرن تقريبا، حتى تحركت من جديد مع توقيع اتفاقيات إبراهيم في واشنطن مع الإمارات والمغرب والبحرين والسودان. منذ ذلك الوقت تحاول إسرائيل توسيع نطاق التطبيع بلا جدوى نظرا لتصاعد كفاح الشعب الفلسطيني لإنهاء الاحتلال والحصول على حقه في إقامة دولته المستقلة.
وتعتبر اتفاقيات إبراهيم لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية بمثابة نقطة انقلاب حقيقية من حيث المفهوم، حيث أقيمت على أساس “السلام مقابل السلام” على عكس الاتفاقات السابقة التي قامت على أساس “الأرض مقابل السلام”. كما أنها تختلف عن الاتفاقيات السابقة، من حيث طبيعة الإجراءات. وقد قفزت قيمة التجارة بين إسرائيل وشركائها العرب بأكثر من الضعف منذ اتفاقيات إبراهيم، حيث ارتفعت من 1.9 مليار دولار في عام 2021 إلى 4.5 مليار دولار في عام 2024. وتهيمن الإمارات على هذه التجارة، في حين أن صفقات الطاقة الأخيرة مع مصر والأردن من شأنها تغيير المشهد الاقتصادي في المنطقة، بخلق علاقة تبعية هيكلية في قطاع الطاقة بين كل من مصر والأردن من ناحية وإسرائيل من الناحية الأخرى.
ممر الصومال والقرن الأفريقي
يمثل اعتراف اسرائيل بدولة “أرض الصومال” خطوة جوهرية لتوسيع نطاق نفوذها الصريح في مدخل البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وقد أدى الاعتراف إلى إعادة رسم الخريطة الإقليمية للتحالفات، ووضعت “محور بربرة” ضد “محور مقديشو” في سباق جديد تحتدم فيه عملية الاستقطاب الجيوسياسي على غرار ما كان عليه الحال في الحرب الباردة. وتعود أهمية أرض الصومال إلى أنها تقع على خليج عدن، مباشرة عبر اليمن ومضيق باب المندب – وهي نقطة اختناق حيوية للتجارة العالمية وشحنات الطاقة. الاعتراف بأرض الصومال (ديسمبر 2025) يمنح إسرائيل موطئ قدم استراتيجي لجمع المعلومات الاستخبارية ومراقبة نشاط الحوثيين المتحالفين مع إيران. وقد حذر الحوثيون بالفعل من أن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيكون “هدفا عسكريا مشروعا”. وعلى مستوى القرن الأفريقي ككل فإن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال أدى إلى ظهور انقسام سياسي على مستوى الإقليم بين محورين أساسيين. الأول هو “محور بربره” ويضم إسرائيل ، الإمارات العربية المتحدة ، إثيوبيا ، دولة أرض الصومال، ويركز على جعل ميناء بربرة، الذي استثمرت فيه الإمارات بكثافة، مركزا بحريا إقليميا. المحور المقابل له هو “محور مقديشو”، الذي يضم الصومال وتركيا ومصر وإريتريا. وهو محور يدافع عن وحدة أراضي الصومال ويتصدى للنفوذ الإثيوبي الإسرائيلي. ولدى تركيا قاعدة عسكرية رئيسية في مقديشو، وقد تحالفت مصر مع إريتريا لمواجهة طموحات إثيوبيا الإقليمية. في جوهرها، تعد العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال خطوة عالية المخاطر وعالية المكافأة لأنها تسمح لها بالدخول صراحة وبلا مواربة في لعبة القرن الأفريقي، وتأمين موطئ قدم ضد إيران ووكلائها، وكذلك فرض قيود على النفوذ التركي الاقتصادي والعسكري في جنوب البحر الأحمر.
ومن خلال هذه الممرات الاقتصادية / الاستراتيجية (شرق البحر المتوسط/ أوروبا، آسيا/الخليج/ أوروبا عبر إسرائيل، إسرائيل – آسيا الوسطى عبر أذربيجان، البحر الأحمر والمحيط الهندي عبر الصومال) فإن إسرائيل تنسج ما يصفه المحللون بأنه “شبكة العنكبوت”، وهي خطة متعمدة لربط الهند وإثيوبيا وأذربيجان واليونان، مما يضع إسرائيل في قلب نظام إقليمي جديد يحيط بمنافسين مثل إيران وتركيا والسعودية. إنها لعبة إسرائيلية طويلة الأجل لتأمين واقع اقتصادي جيوسياسي جديد من خلال البنية التحتية والاعتماد المتبادل، وضمان استمرار النفوذ الإسرائيلي في الأجل الطويل، بافتراض بقاء المتغيرات الأخرى على ما هي عليه. لكن الواقع الجديد الذي تسعى إيران إلى فرضه بعد الحرب الأخيرة قد يساعد على تشكيل محور مقاومة اقتصادية إقليمي بقيادة إيران وتركيا والسعودية، يعيد رسم خطوط شبكة المصالح المشتركة التي تربط بينها، وتقليل تأثير عوامل المنافسة التي تضعف حتى الآن فرص تشكيل هذا المحور. في الوقت نفسه، فإن المسؤولية تقع على كاهل الدول العربية في إعادة صياغة المشروع الاقتصادي العربي المشترك بما يساعد على تعبئة عوامل القوة الاقتصادية لمصلحة بناء شبكة مصالح عربية مشتركة على أساس مفهوم جديد، وإقامة شبكة بنية أساسية إقليمية مادية وتكنولوجية ومعلوماتية تؤهل الدول العربية للعب دور أكبر وأكثر فاعلية في بناء الرفاهية والسلام.