رؤي ومقالات

محمد الحسيني يكتب:الشرق الأوسط إلى أين؟ ولماذا يتأخر السلام؟

خلال آلاف السنين من التاريخ البشري المدوّن، لم يكن السلام هو الحالة الطبيعية للعلاقات بين الدول، بل ظل استثناءً عابرًا في مقابل حروب وصراعات متكررة.

وتشير تقديرات تاريخية إلى أن العالم لم يعرف سوى بضع مئات من السنين الخالية من الحروب الكبرى، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بعمر الحضارة الإنسانية.

ومن هنا يبرز السؤال بإلحاح: متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط التي تعيش اليوم مرحلة جديدة من التحولات والتوترات؟

تكشف التطورات المتسارعة في المنطقة أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة نزاعات محلية، بل أصبح أحد أبرز ميادين إعادة تشكيل النظام الدولي.

فالتصعيد في الخليج ومضيق هرمز، واستمرار المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتطورات على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، جميعها تعكس انتقال العالم من مرحلة كانت تقوم على قواعد دولية مستقرة نسبيًا إلى مرحلة يغلب عليها منطق توازنات القوة والنفوذ.

لقد اعتاد كثير من المحللين وصف المرحلة الحالية بأنها انتقال من قوة الحق إلى حق القوة، حيث تتراجع فاعلية المؤسسات الدولية أمام تصاعد الحسابات الجيوسياسية، بينما تتنافس القوى الكبرى والإقليمية على توسيع دوائر نفوذها وتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

وفي هذا المشهد، يبدو الشرق الأوسط أكثر المناطق تأثرًا بهذا التحول، لأنه يقع عند تقاطع المصالح الدولية وممرات الطاقة والتجارة العالمية.

ورغم أن النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية نجح في الحد من اندلاع حروب عالمية شاملة، وأسهم في ترسيخ مفهوم السيادة الوطنية وإنشاء مؤسسات دولية لتنظيم العلاقات بين الدول، فإنه يواجه اليوم تحديات عميقة نتيجة صعود قوى دولية جديدة، وتراجع الهيمنة الغربية، وتزايد النزعات القومية والشعبوية، فضلاً عن تصاعد المنافسة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.

ولا يقتصر هذا التحول على إعادة توزيع موازين القوة، بل يمتد إلى ظهور نماذج سياسية واقتصادية مختلفة، تسعى إلى إثبات حضورها في عالم متعدد الأقطاب.

وفي المقابل، تزداد الحاجة إلى تعاون دولي أوسع لمواجهة تحديات مشتركة تتجاوز الحدود، مثل الأمن السيبراني، والتغير المناخي، والهجرة، والإرهاب، وأمن الملاحة الدولية.

غير أن هذه الحاجة تصطدم بانعدام الثقة بين القوى الكبرى، وهو ما يعيد إنتاج أجواء المنافسة التي عرفها العالم خلال الحرب الباردة.

ويتجلى هذا الواقع أيضًا في سباق التسلح الجديد، الذي لم يعد يقتصر على الأسلحة التقليدية أو النووية، بل امتد إلى الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والتقنيات المتقدمة.

فكما حال انعدام الثقة سابقًا دون تحقيق تقدم سريع في الحد من الأسلحة النووية، يعرقل اليوم وضع قواعد دولية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية.

وتزداد خطورة هذا السباق مع الطبيعة المزدوجة لهذه التقنيات، التي يمكن استخدامها في التطبيقات المدنية والعسكرية معًا، في ظل غياب آليات تحقق ورقابة قادرة على مواكبة سرعة تطورها.

ولا يمكن إغفال أن استمرار سباقات التسلح يخدم في المقام الأول الصناعات العسكرية والشركات التكنولوجية الكبرى، بينما تتحمل المجتمعات كلفة اقتصادية واجتماعية مرتفعة نتيجة تحويل الموارد من التعليم والصحة والتنمية إلى الإنفاق العسكري.

كما يؤدي سباق التسلح إلى تعزيز دوامة انعدام الثقة، إذ يدفع تسلح طرفٍ ما الأطراف الأخرى إلى زيادة قدراتها العسكرية، فتتسع دائرة عدم الاستقرار بدل أن تنحسر.

وفي خضم هذه التحولات، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام مفترق طرق، فإما أن تتحول إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة، وإما أن تصبح نموذجًا لتسويات تدريجية تقوم على الحوار والتفاهم واحترام سيادة الدول.

غير أن تحقيق هذا المسار يتطلب إصلاحًا حقيقيًا في منظومة العمل الدولي، وتعزيز دور المؤسسات متعددة الأطراف، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، إلى جانب تبني دبلوماسية أكثر مرونة وقدرة على استيعاب التنوع السياسي والثقافي في عالم متعدد الأقطاب.

لقد أدرك فلاسفة ومفكرون عبر التاريخ أن السلام لا يقوم على القوة وحدها، بل على العدالة والثقة والتفاهم.

فالسلام، كما قال سبينوزا: فضيلة تقوم على الإحسان والعدل، ورأى آينشتاين أنه لا يُفرض بالقوة بل يتحقق بالتفاهم، بينما اعتبر غاندي أن العدالة هي الطريق الحقيقي إلى السلام.

ومن ثم، فإن الإجابة عن سؤال متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟ لا تكمن في اختفاء الصراعات، فهذا أمر لا تؤيده التجربة التاريخية، وإنما في قدرة المجتمع الدولي على إدارة هذه الصراعات ضمن قواعد عادلة ومؤسسات فاعلة تمنع تحولها إلى حروب مفتوحة.

فالسلام المستدام ليس نتيجة توازن القوة وحده، بل ثمرة إرادة جماعية تؤمن بأن التعاون أكثر جدوى من الصدام، وأن أمن الدول لا يتحقق على حساب أمن الآخرين، بل من خلال بناء نظام دولي أكثر عدلاً وتوازنًا، يستطيع مواكبة تحولات القرن الحادي والعشرين دون التفريط بالمبادئ التي تحفظ الاستقرار العالمي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى