رؤي ومقالات

علي أبو حبلة يكتب:”يوم التنفيذ”.. مخطط استيطاني لإسقاط القانون الدولي وفرض الضم بالقوة قراءة قانونية وسياسية واستراتيجية

تكشف الخطة الاستيطانية التي أطلقت عليها الحركات الاستيطانية الإسرائيلية اسم “يوم التنفيذ”، والهادفة إلى إقامة نحو مائة بؤرة استيطانية في عمق المدن والبلدات الفلسطينية، عن انتقال المشروع الاستيطاني من سياسة التوسع التدريجي إلى استراتيجية فرض الوقائع الميدانية بصورة متزامنة وشاملة، بما يهدف إلى تكريس الضم الفعلي للأرض الفلسطينية المحتلة وإلغاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً.

غير أن أخطر ما يرافق تناول هذا المخطط هو الانزلاق إلى استخدام التصنيفات الواردة في اتفاق أوسلو (أ، ب، ج) باعتبارها مرجعاً قانونياً، في حين أن هذه التقسيمات لم تكن سوى ترتيبات إدارية انتقالية، ولم تُغيّر إطلاقاً المركز القانوني للأرض الفلسطينية المحتلة. فجميع قرارات الشرعية الدولية، سواء الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن، لم تعترف بهذه التقسيمات باعتبارها حدوداً قانونية أو سياسية، وإنما أكدت أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، تشكل وحدة جغرافية وإقليمية واحدة تخضع للاحتلال الإسرائيلي.

وينسحب الأمر ذاته على ما تروج له سلطات الاحتلال في قطاع غزة من مسميات مثل “المنطقة الصفراء” أو غيرها من المناطق التي يحددها الاحتلال بقرارات عسكرية أحادية. فهذه التسميات لا تستند إلى أي أساس قانوني في القانون الدولي، ولا تنشئ أي مركز قانوني جديد، ولا يجوز التعامل معها أو تداولها إعلامياً أو سياسياً وكأنها حقائق قانونية. إن تكرار هذه المصطلحات يكرس، من حيث لا يدري البعض، الرواية الإسرائيلية، ويمنح إجراءات الاحتلال شرعية لغوية وسياسية يفتقدها قانوناً.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والمهنية تقتضي من السياسيين والإعلاميين والمسؤولين الفلسطينيين والعرب الامتناع عن تبني المصطلحات التي يفرضها الاحتلال، سواء المتعلقة بتقسيمات (أ، ب، ج) أو ما يسمى “المنطقة الصفراء” أو غيرها من التسميات العسكرية، والتمسك بالمصطلحات المستندة إلى القانون الدولي، التي تؤكد أن جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 هي أراضٍ محتلة، وأن أي إجراءات إسرائيلية لتغيير وضعها القانوني أو الجغرافي أو الديموغرافي هي إجراءات باطلة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني.

ويؤكد قرار مجلس الأمن رقم قرار مجلس الأمن رقم 2334 أن جميع الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، ليس لها أي شرعية قانونية، وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وعقبة رئيسية أمام تحقيق السلام.

كما أكدت الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الجدار أن الأراضي الفلسطينية المحتلة تشمل كامل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وأن جميع التدابير الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني أو الديموغرافي لتلك الأراضي تخالف القانون الدولي. ثم جاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الاحتلال الإسرائيلي ليؤكد بصورة أكثر وضوحاً عدم قانونية استمرار الاحتلال والاستيطان، ووجوب إنهائهما، مع التزام جميع الدول بعدم الاعتراف أو تقديم أي دعم للوضع غير المشروع الذي أوجده الاحتلال.

وعليه، فإن الحديث عن اقتحام المناطق المصنفة (أ) أو غيرها لا ينبغي أن يحجب الحقيقة القانونية الأساسية، وهي أن الاحتلال غير مشروع في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن الاستيطان محظور أينما أقيم، لأن المخالفة القانونية تتعلق بجوهر الاحتلال ذاته، وليس بالتصنيفات الإدارية أو العسكرية التي يحاول الاحتلال فرضها.

سياسياً، تعكس خطة “يوم التنفيذ” صعود تيار استيطاني لم يعد يكتفي بتوسيع المستوطنات القائمة، بل يسعى إلى فرض السيادة الإسرائيلية بالقوة وإسقاط أي التزام سابق، بما في ذلك الالتزامات التي تضمنتها اتفاقيات أوسلو، بما يؤكد أن المشروع الاستيطاني بات المحرك الرئيس للسياسات الحكومية الإسرائيلية.

أما استراتيجياً، فإن إقامة عشرات البؤر الاستيطانية بصورة متزامنة تستهدف السيطرة على المرتفعات والمحاور الحيوية، وعزل المدن الفلسطينية، وتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، وإحكام السيطرة على الموارد الطبيعية وشبكات الطرق، بما يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيداً.

إن استمرار المجتمع الدولي في الاكتفاء بالإدانة اللفظية يشجع حكومة الاحتلال على المضي في فرض الوقائع بالقوة. ولذلك فإن المطلوب فلسطينياً وعربياً ودولياً هو الانتقال من مرحلة التنديد إلى مرحلة المساءلة القانونية، وتفعيل آليات المحكمة الجنائية الدولية، والاستناد إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 2024، والعمل على فرض عقوبات على منظومة الاستيطان باعتبارها جزءاً من مشروع غير مشروع بموجب القانون الدولي.

إن المعركة اليوم ليست معركة جغرافيا فحسب، بل هي أيضاً معركة مصطلحات ورواية قانونية. فكما يجب رفض الاستيطان، يجب كذلك رفض اللغة التي يسعى الاحتلال إلى فرضها لتطبيع احتلاله. إن اعتماد المصطلحات الإسرائيلية في الخطاب السياسي أو الإعلامي يمنحها حضوراً ورسوخاً لا تستحقه قانوناً، بينما تبقى الحقيقة الثابتة أن كامل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، هي وحدة قانونية وجغرافية واحدة، وأن جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تقسيمها أو إعادة توصيفها أو تغيير وضعها تبقى باطلة ولاغية، ولا تنشئ أي حق سيادي للاحتلال مهما طال الزمن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى