دراسة نقدية في قصة “بقايا صور” للكاتبة السورية: فريزة محمد سلمان.. بقلم الأديب والناقد العراقي: ماجد القيسي

دراسة نقدية للأديب الناقد: ماجد القيسي في قصة “بقايا صور” للكاتبة فريزة محمد سلمان
تأتي قصة “بقايا صور” للكاتبة فريزة محمد سلمان كمرثيةٍ أدبيةٍ رفيعةٍ للزمن الجميل، وهي نصٌ يمتصُّ القارئ منذ اللحظة الأولى في حالةٍ من الشجن النبيل، حيث تتلاشى الحدود بين الفرد والذاكرة الجماعية.
لقد كان العنوان “بقايا صور” بمثابة العتبة الحقيقية التي مهَّدت لفكرة “الأثر”؛ تلك الصور التي لا تقتصر على ما هو معلقٌ على الجدران، بل تمتدُّ لتشمل البصمات النفسية والذكريات التي تملأ زوايا البيت الخاوي، فالعنوان لم يكن فخَّاً، بل كان خريطةً وجدانيةً قادتنا من قشور الحاضر إلى جوهر الماضي.
في تشريحنا لهذه الحكاية، نجد أن شخصية “أم رأفت” ليست مجرد عجوزٍ وحيدة، بل هي تجسيدٌ حيٌ لـ “بيتِ الأحلام” الذي أغلق أبوابه. إن الشرارة التي تحركها ليست الرغبة في العودة للماضي لذاته، بل محاولة “ترميم” الحاضر المتهالك بضمادات الذكرى. وقد لعب المكان دوراً بطولياً؛ فالبيت الواسع الذي كان يضج بالحياة صار سجنًا صامتًا، حيث تكتكة الساعة -التي لا يسمعها أحد- أصبحت رمزاً لزمنٍ توقف عن الجريان بالنسبة لمن يقطنون رفوف الانتظار. لقد استطاعت الكاتبة أن تجعل من المكان “شخصية” تتنفس، تتسع لتتسع معها طموحات الأبناء، وتضيق لتنحصر في زاوية الأم التي ترقب الورد والحبق، كأنها تحاول استنبات الحياة في أرضٍ بارت.
أما على مستوى اللغة والظلال، فقد برعت الكاتبة في فن “الحذف”؛ حيث تركت المسافات بين الجمل لتتحدث عن الفراغ الذي خلفه الأبناء. إن اختيار ألعاب الطفولة كـ “حير البصل” و”خض خضيضة” لم يكن ترفاً تراثياً، بل كان جندياً أدبياً أدى مهمته في كسر حدة الصمت، فالألم في “فركة الأذن” كان معادلاً موضوعياً لألم الفراق، والموسيقى في “خض خضيضة” كانت هي الوحيدة القادرة على استعادة إيقاع الحياة في جسد أم رأفت. لقد كانت الراوية هنا صوتاً أميناً، مراقبةً متعاطفةً جعلتنا نثق في صدق انفعالاتها، فهي لم تنقل لنا القصة، بل نقلت لنا حرارة اللقاء والدمعة التي اختزنتها العجوز في ملف الذاكرة.
وتمثل الختام في “لحظة الحقيقة” التي لا تنتهي بانفجار درامي، بل بانكفاءٍ هادئ نحو الفراغ؛ فقول أم رأفت “لقد أطالوا الغياب هذه المرة” هو ضربةٌ موجعة في عمق الانتظار، حيث يتحول الزمن من مقياسٍ فيزيائي إلى مساحةٍ من الألم النفسي الممتد. لم تكن هذه النهاية مجرد ختام، بل كانت دعوةً لنا لننظر في جدران بيوتنا، ونتساءل عن “الصور” التي نتركها خلفنا قبل أن نرحل.
في صياغتي النهائية لهذا التلقي، أجد أن “بقايا صور” ليست مجرد قصة عن الوحدة، بل هي تأملٌ في “سنة الحياة” التي تأخذنا بعيداً عن الجذور لتبني أعشاشاً جديدة، بينما تظل الأمهات في الخلف، حارساتٍ لذاكرةٍ تكاد تندثر. لقد شعرت، وأنا أغلق النص، أن الكاتبة لم تكتفِ بسرد حكاية، بل أعادت ترتيب مشاعري تجاه “الغياب”؛ فقد علمتني أن البيت ليس حجارةً، بل هو ضجيجٌ، وضحكاتٌ، ورائحة سمنةٍ ذائبة على رغيف، وأن أكبر خذلانٍ يمارسه الزمن علينا هو حين يجعلنا نعيش على “بقايا” ما كان يوماً فيضاً من حياة. إن هذا النص أضاف لمخزوني الإنساني يقينًا بأن الحب الذي نمنحه للآخرين لا يرحل برحيلهم، بل يبقى معلقاً في هواء الأماكن، ينتظر عودةً قد لا تأتي، لكنها تمنحنا مبرراً كافياً لنبقى على قيد الأمل.
النص بقايا صور
يمرُّ العمر بسرعة كبيرة، يسرقنا الكدُّ، لتأمين لقمة العيش، ولا يترك لنا فسحة التأمل في الحياة.
فجأة، نعاني من فائض الوقت، بعد أن خلا البيت من ساكنيه، الذين كبروا كعصافير نبتت لهم أجنحة وطاروا.
تفرَّقوا في شتات الأرض ليبنوا أعشاشاً جديدة، لتبدأ رحلتهم كما بدأنا نحن، ومن قبلنا آباءنا وأجدادنا، يسبرون أغوار هذه الدنيا، يصيدون فرص العيش ويبنون للسعادة بيوتاً، يسابقون الوقت لتحقيق الأماني، وقطف ثمارها.
أثارت شجوني زيارتي الصباحية لجارتي العجوز أم رأفت، التي تتابع ما تبقَّى من عمرها على بعض المكالمات التلفونية والزيارات المتباعدة بعد أن تفرَّق أولادها في أشتات الأرض، كلٌّ في جهة طلباً للعيش الكريم،
الذي لم يجدوه في بلدٍ أفرغت جيوبه الحرب وبات المستقبل في مهب الريح.
البيت واسعٌ كما أحلامهم التي خلَّفوها وراءهم، والتي بدت على الحيطان رسوماً، حافظت عليها، وكأنها تعلم أنهم سيرحلون وتبقى شخابيطهم لتعيدها إلى الزمن الجميل، عائلة وأولاداً وضجيجاً يعطي للبيت حياة.
عند أم رأفت يبدأ اليوم وئيداً، لاعجلة فيه، فلا تأخير تحاسب عليه، ولا سرعة في الإنجاز لتكافئ، الصمت سيد البيت، وتكتكة عقارب الساعة لايصل مسامعها التي صدأت لقلة الإستخدام.
تمشي دون اكتراث، تزرع الورد والحبق في شرفتها، وترقب النمو الخضري لهم، تكلمهم وكأنهم بشر، يشاركونها الهواء، بعدما أغلق بنك الأحلام أبوابه، فلا عودة لأولادها،في المدى المنظور، لتبقى والأيام تتوالى بنفس الروتين، ” لاشيء يَنتظرُ من وضعته الحياة على رفوفها” هكذا تقول لي:
إنه التقاعد، أو هو الموت البطيء يا ابنتي،
من فيوضة الوقت، نرجع إلى الوراء، قليلاً،أو كثيراً، لافرق، نكتشف مافاتنا في رحلة العمر الجميل، ونحاول أن نعيد ألقه مع أبطاله وصانعيه الذين رحلوا عنّا مبكراً جداً.
_ إنها سنّة الحياة ياخالة
_ نعم هي سنّة الحياة نكبر ونشيخ لتكبروا وتنجبون الأطفال وتستمر الحكاية جيلاً بعد جيل.
جلستُ أتابع حديث أم رأفت الذي انساب كنبع ماءٍ رقراق وهي تحدثني عن بعض طفولتها، وقد اكتسى وجهها هالة من فرح، وكأنها تستعيد لذة الكلام بعد انقطاع طويل.
” كانت أجمل الأوقات تلك التي تجمعنا مع أمي نتوسل إليها أن تلاعبنا، وحين توافق نتدافع من سيلعب معها أولاً
تبدأ بي قائلة: ماذا تحبي أن نلعب؟ أجيب:
_ خذيني ع حير البصل (وأتحسَّس آذاني وسط ضحكات إخوتي).
تشير إليَّ أن أتقدَّم وتسحبني يداها بخفَّة، وتضعني في حضنها وتبدأ اللعبة.
لعبة بسيطة ولكنها سكنت ذاكرتي الطفولية، إنها “فركة أذن” معاقبة للأشقياء، ولكنها من أمي ما أجملها من لعبة
-حضن دافئ ويدان حنونتان تمسكان رأسي و الأذنان معاً- وبلهجة محبَّبة تقول لي: ( بتروح ع حير البصل؟) أجيب وأنا أضحك نعم بس لا توجْعيني؟ فتكمل دون أن تنتظر الجواب (بتطّلعي هيك وهيك) وهي تدير رأسي يميناً وشمالاً (إذا شفتي حدا؟ بتعملي هيك) إشارة أن أخفض رأسي حتى لايراني أحد (وإذا ماشفتي حدا بتْجيبي بصلة هالطوووووول) وترفعني قليلاً من حضنها فأنهض معها قليلاً و أضحك وبي قليلٌ من الألم، وقد احمرَّت أذناي، وضحكات إخوتي تملأ المكان، لكنني أطلب منها الإعادة مرات لتبقى بقربي.
تدفعني ضاحكة ونظرها على إخوتي: مين بيروح ع حير البصل؟
يتقدَّم عليّ ويطلب تغيير اللعبة.
أخي كان يحب أن تلاعبه وتغني له ” خض خضيضة “.
أقاطعها
_ خض خضيضة ماذا تعني؟
_ هي طريقة إخراج السمنة( الزبدة) من اللبن قديماً، فكانت تضعه في حضنها وتغنِّي له وهي تمرجحه ذات اليمين وذات الشمال بحركة منتظمة كأنها تخض اللبن
_ أريد أن ألعبها معك ياخالة.
تضحك وتأخذني من يدي وتجلسني في حجرها وتبدأ في الغناء وهي تمرجحني
خض خضيضة ياملاّح
شيل السمنة للفلاّح
والفلاّح قتل مرتو
ع الشدوق الأكليتو
حلفتلو ع الشيخ عنطوظ
إنّ القطة أكليتو
تكركرني في بطني فأضحك، وكمنوّمة تأخذني إلى اللحظات الجميلة وهي تكمل القصة :
_ كنا نتزاحم عليها نحن الأربعة فنأخذ منها وقت راحتها القليل جداً، لنسمع ضحكتها وبعض حكاياها.
يكرّ خيط الذكريات لتكون في طقس خض اللبن ورغيفها بين يديّها، مستعدة للحظة خروج السمنة ولمّها في كرة صفراء شهيّة،بين يدي والدتها، حيث توزع بعضها على أرغفتهم وتدهن رغيفها وترش عليه بعض السكر، لتكون وجبة شهية لها ولإخوتها الصغار.
دخلتُ الحالة معها وتخيلْتني أنا في هذه اللحظات أتلمظ رغيف الزبدة مع السكر، في طقس ريفي ساحر.
_ تعرفين ؟
أرجعني صوتها إلى الواقع، فأصغيت لها
_ أطيافهم ساكنة هنا، أسمع أصواتهم، فأخرج أبحث عنهم، كلٌ في غرفته، فلا أجد سوى شخابيطهم على الحيطان وضحكاتهم في أذنيّ، وأنا ألاعبهم، تسكت قليلاً وطيف ابتسامة على شفتيها، كمن يثّبت الصورة أو يستوضحها أكثر وتكمل ” أنتظرهم، بشوق أمٍ لاينتظر “.
سرقتها الدمعة، فأودعت الضحكات العابرة، في ملفّ الذاكرة، وأغلقت عليه جيداً، وقالت قبل أن تدلف إلى المطبخ لتحضّر كأس الشاي الصباحي لها ولي.
_ لقد أطالوا الغياب هذه المرة؟!
*حير البصل= الحقل أو البستان
فريزة محمد سلمان