رؤي ومقالات

الإذاعية سمر محمد تكتب: لما يبقى احتواء الناس عادة… ونسيان نفسك أسلوب حياة

الساعة كانت داخلة على اتنين بالليل…
رن التليفون ..
“معلش إني بصحيك… بس أنا مخنوق ومش لاقي حد أكلمه.”
رد من غير ما يتأفف
سمع… وهدّى… وطمن… وفضل يقول كلام يلم الروح، لحد ما الطرف التاني نام وهو مرتاح .
قفل التليفون…
بص للسقف ..
عيط ..
لأنه هو كمان كان مخنوق…
بس ماكانش عنده حد يتصل بيه ، يحكيله ، يشكيله ، يتطمن ..
يمكن المشهد ده حصل معاك…
أو مع حد تعرفه
يمكن إنت الشخص اللي الناس كلها بتجري له لما الدنيا تضيق بيهم ..
اللي يسمع من غير ما يمل ..
يحتوي من غير ما يحكم ..
ويحاول يخفف عن كل قلب مكسور يقابله ..
وجودك في حياة الناس هو منطقة الآمان ..
لكن السؤال اللي عمره ما حد بيسأله…
إنت… مين منطقة راحتك و آمان ؟
مين بيسندك و إنت ساند الكل؟
يمكن ناس كتير تفتكر إن ده مجرد قلب طيب وحنين …
لكن ساعات الحكاية بتكون أعمق من كده .
في علم النفس فيه نمط معروف اسمه “متلازمة المُنقذ”
مش معناها إنك بتحاول تغير الناس أو تفرض عليهم حياتك…
بالعكس…
إنت غالبًا شخص بيتوجع لما يشوف حد بيتألم ، لما تلاقي حد داخل في أزمة، تحاول تمسك بإيده ..
ولما تشوف حد غرقان في حزنه، تقعد تسمعه بالساعات ، و دماغك تتشغل بيه و تتحول فجأة ل د نفسي بيفتش معاه جواه عشان تعرف تطلعه من حزنه ..
ولما تلاقي حد طباعه بتأذيه، تحاول تساعده يشوف نفسه بشكل أحسن ..
النية هنا مش السيطرة…
النية هنا الحب أو الحنان و خوفك على اللي قدامك و معاك ..
لكن المشكلة بتبدأ لما تتحول المساندة إلى مسؤولية ……
تحس إن تعافيهم واجب عليك ،وإن لو مقدرتش تطلعهم من وجعهم… يبقى إنت قصّرت …
وهنا تبدأ تستنزف نفسك و روحك و مشاعرك و طاقتك ..
الغريب إن الناس اللي بتعمل كده…
نادراً ما بتطلب المساعدة أو عمرها ماتطلبها ..
يمكن لأنها اتعودت تبقى هي السند .. حتى لو هي نفسها مالهاش سند .
أو يمكن لأنها مقتنعة إن اللي بيعرف يحتوي الناس… لازم يفضل قوي و واقف على رجليه طول الوقت ..
لكن الحقيقة…
حتى أقوى القلوب بتتعب و تنهار و تبقى محتاجه وقت بسميه (( إستراحة محارب )) يشم نفَسُه و يستعيد قواه و يقوم يكمل جري ..
عارفين ..
أوقات كتير، السبب مش بيبقى طيبة وبس ، أو إحساس مزيف بالمسؤولية ..
السبب ممكن يكون جرح قديم ….
يمكن وإنت صغير، اتعلمت إنك تاخد الحب لما تبقى بتقدم مقابل يخلي اللي قدامك راضي عنك (( حب مشروط ))
أو يمكن كنت الشخص اللي بيحل مشاكل البيت، قبل ما يبقى عنده العمر الكافي يفهمها.
أو يمكن في يوم، كنت محتاج حد يسمعك…
ومحدش سمع …
فقررت، من غير ما تحس، إنك هتبقى الآمان اللي كان نفسك تلاقيه .
علشان كده…
كل ما تشوف حد موجوع ، تجري عليه
مش بس عشانه…
لكن يمكن علشان الطفل اللي جواك، اللي لسه فاكر إحساس الوحدة و الوجع .
افتكرت هنا فكرة بشوف بيها دايماً
فيلم «الفيل الأزرق»…
إن أصعب رحلة بيعيشها الإنسان، مش وهو بيحاول يفهم اللي حواليه أو يساعدهم …
لكن وهو بيواجه نفسه و بيحاول يساعدها ..
يمكن علشان كده، بننشغل أوقات بوجع الناس ، لأن وجعهم أهون من إننا نبص في وجعنا إحنا.
طيب…
إزاي أنقذ نفسي؟
يمكن البداية مش إنك تبطل تساعد الناس .
لأ…
الدنيا محتاجة القلوب الرحيمة ، و اللي إتعود على إنه يتعامل ب انسانيته و طيبته و حبه صعب يتخلى عنهم .
لكن محتاجة كمان القلوب الرحيمة مع نفسها.
اسأل نفسك…
لما بساعد حد…
أنا بعمل كده حبًا فيه؟
ولا خوفًا من إني أحس بالذنب لو سبت إيده؟
هل أنا بواسيه…
ولا بحاول أهرب من مواجهة ألمي أنا؟
اعرف إنك مش مسؤول عن شفاء حد.
إنت تقدر تسمع ، تحتوي ، تنصح ، تمسك بإيده.
لكن قرار إنه يقوم…
قرار يملكه ” هو ” …
يقول جلال الدين الرومي:
«”أمس كنت ذكيًا، فأردت أن أغيّر العالم. اليوم أنا حكيم، فبدأت أغيّر نفسي.”»
يمكن النجاة الحقيقية تبدأ من هنا…
لما تبطل تعتبر تعب الناس امتحان ليك ..
ولما تعرف إن التعاطف مش معناه إنك تستنزف نفسك ..
وإن قلبك، مهما كان كبير، ليه حق يرتاح
في النهاية…
الرحمة نعمه ..
لكن استهلاك نفسك باسم الرحمة… مش فضيلة ..
ساعد .. لكن من غير ما تغرق فيهم و في حزنهم ..
اسند .. لكن من غير ما تنسى تسند ضهرك إنت ..
واحتوي .. لكن افتكر إن قلبك هو كمان محتاج تطبطب عليه من وقت للتاني .
ربنا خلقك عشان تعيش حياتك مش حياة الناس
تحب نفسك و تقدرها عشان الناس تحبك و تقدرك
و دي مش أنانية …
حبك لنفسك و حفاظك على حدودك النفسيه يخليك تعرف تحب اللي حواليك من غير ما تخسر نفسك ..
ويبقى السؤال …
الناس كلها على قلبك …
وإنت… على قلب مين؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى