
لم يكن أحد يحبه .
ليس لأنه كان سيئًا …. بل لأنه كان يضحك في الجنائز .
ضحكة قصيرة ، هادئة ، لا تحمل سخرية ، لكنها كانت تكفي ليعتبره الناس عديم المشاعر .
كلما مات أحد ، ظهر .
يقف في آخر الصف ، ينظر إلى النعش … ثم يبتسم .
حتى الأطفال كانوا يخافونه ، وكانت أمه ، قبل أن تموت ، تقول له دائمًا :
” يا بني … سيأتي يوم يبكيك الناس فيه كما بكيتهم ” .
لكنه لم يجبها ، فهو لم يكن يعرف كيف يشرح لهم الحقيقة .
في طفولته ، ماتت أخته الصغيرة بين يديه .
كان في التاسعة ، ظل يبكي ثلاثة أيام متواصلة حتى فقد صوته .
وفي الليلة الرابعة ، جلس جده بجانبه وقال :
” اسمع يا ولدي … بعض الناس حين يشتد وجعهم يبكون … وبعضهم يضحكون ، كلاهما لا يختار طريقته ” .
ومنذ ذلك اليوم ، كلما انكسر قلبه ، ابتسم .
وكلما اشتد ألمه … ضحك .
كان جسده يخون مشاعره .
مرت السنوات.
تزوج ، ورُزق بابن .
وذات مساء ، عاد إلى البيت يحمل لعبة صغيرة .
فتح الباب وهو ينادي :
” أين بطلي ؟ ”
لكن البيت كان مليئًا بالوجوه الصامتة.
كانت زوجته تبكي ، وابنه مغطى بملاءة بيضاء .
وقف للحظات …
ثم…
ضحك .
ضحكة واحدة .
فصفعه أخوه أمام الجميع وهو يصرخ :
” حتى ابنك لم تحزن عليه ؟ ” .
لم يدافع عن نفسه .
حمل اللعبة …
ووضعها بجانب جسد ابنه وغادر .
بعد تلك الحادثة عاش وحده.
لا صديق ، لا أهل ، ولا أحد يطرق بابه .
كان الناس يقولون :
” هذا الرجل بلا قلب ” .
ولم يحاول مرة واحدة أن يصحح صورتهم .
وفي أحد الشتاءات ، توفي الرجل .
دخلوا منزله ليجمعوا أغراضه .
فوجدوا غرفة لم يكن يفتحها لأحد .
داخلها مئات الدفاتر .
كل صفحة تحمل تاريخًا ، وتحت كل تاريخ اسم شخص مات.
ثم كلمات لم يسمعها أحد من قبل .
” سامحيني يا أختي … ما زلت أبحث عن يدك الصغيرة ” .
” يا أمي … ضحكتي يوم دفنك كانت محاولة أخيرة حتى لا أموت معك ” .
“يا بني … منذ رحيلك ، لم ألمس لعب الأطفال لأن رائحتها تكسرني ”
وكانت كل صفحة …
ملطخة بآثار دموع جفت منذ سنوات .
قرأ أخوه الدفاتر حتى الفجر ، وحين انتهى …
بكى كما لم يبكِ في حياته ، ثم همس :
” كنا نظن أنه لا يشعر … والحقيقة … أنه كان يشعر أكثر منا جميعًا ” .
في جنازته …
لم يبكِ حفيده الصغير .
ابتسم .
فنظر الناس إليه بغضب .
أما أخوه …
فأوقفهم وقال بصوت مرتجف :
” اتركوه … قد يكون قلبه الآن … ينزف بالطريقة الوحيدة التي يعرفها ”
ومنذ ذلك اليوم …
كلما رأى الناس شخصًا يعبّر عن حزنه بطريقة لا يفهمونها…
تذكروا ذلك الرجل .
وتردد بينهم جملة واحدة :
” لا تحكم على المشاعر من شكلها … فبعض القلوب تبكي وهي تبتسم ” .