
ليست كل الروايات تُقرأ بعين الباحث عن الأحداث، فبعضها يفرض على قارئه أن يبطئ خطواته، وأن يصغي إلى ما تقوله الجدران قبل الشخصيات. هكذا كانت تجربتي مع رواية “فيلا سعيد علوان” للروائي مؤيد الشاوي. منذ الصفحات الأولى أدركت أنني لست أمام حكاية عن بيت قديم، وإنما أمام رحلة طويلة في ذاكرة الإنسان، وفي علاقته بالمكان حين يتحول من مأوى إلى شاهد على الزمن.
العنوان نفسه يختزن دلالة عميقة. فالفيلا ليست مجرد بناء، و”سعيد علوان” ليس اسماً يُعرّف المكان فحسب، بل هو حضور إنساني يحاول أن يقاوم النسيان. وكأن الكاتب يريد أن يقول إن البيوت لا تحفظ أسماء أصحابها على الواجهات فقط، بل تحفظ أصواتهم، وخطواتهم، وأحلامهم التي بقيت معلقة في زواياها حتى بعد غيابهم.
اعتمد الشاوي بناءً سردياً هادئاً، لا يلهث وراء المفاجآت، وإنما يمنح التفاصيل اليومية مساحة لتقول ما تعجز عنه الأحداث الكبيرة. تتقدم الرواية بإيقاع يشبه حركة الذاكرة؛ تتوقف، وتعود إلى الوراء، ثم تستأنف سيرها دون افتعال. هذا الإيقاع لم يكن بطيئاً بقدر ما كان جزءاً من الرؤية الفنية، لأن الرواية لا تروي زمناً سريعاً، بل تستعيد زمناً يتآكل ببطء.
ومن أجمل ما في الرواية أنها جعلت المكان شخصية فاعلة لا مجرد خلفية للأحداث. الفيلا تتنفس مع الشخصيات، وتشيخ معها، وتبدو أحياناً أكثر قدرة على الكلام منهم. فالغرف، والممرات، والحديقة، والأبواب القديمة، ليست أوصافاً إنشائية، وإنما علامات سردية تكشف مقدار التحول الذي أصاب الإنسان والمجتمع معاً. وهنا تتجلى براعة الكاتب في تحويل التفاصيل المادية إلى رموز إنسانية واسعة الدلالة.
أما شخصية سعيد علوان فقد ظهرت بوصفها إنساناً يحمل عبء الذاكرة أكثر مما يحمل عبء العمر. لم يقدمه الشاوي بطلاً استثنائياً، بل إنساناً عادياً يواجه خساراته بصمت، ويبحث بين الصور والأثاث القديم عن شيء يعيد إليه إحساسه بالانتماء. لذلك بدا قريباً من القارئ، لأن معركته ليست مع الآخرين، بل مع الزمن نفسه.
لغة الرواية واحدة من أبرز عناصر نجاحها. فهي لغة شاعرية دون أن تفقد بساطتها، وصورها تنبع من البيئة التي تتحرك فيها الشخصيات، فلا تبدو مزخرفة أو متكلفة. الجمل تحمل إيقاعاً هادئاً ينسجم مع المزاج العام للرواية، بينما تتسلل الدلالات عبر التفاصيل الصغيرة، فيشعر القارئ أنه لا يقرأ وصفاً للأمكنة بقدر ما يقرأ وصفاً لأثرها في النفس.
وتحضر في الرواية ثنائية الماضي والحاضر بصورة متوازنة. فلا يمجد الكاتب الماضي على نحو رومانسي، ولا يدين الحاضر بصورة مباشرة، وإنما يترك للقارئ فرصة أن يقارن بين الزمنين من خلال ما أصاب المكان والناس من تغيرات. وهنا تكتسب الفيلا معناها الرمزي؛ فهي ليست بيتاً بعينه، بل صورة للوطن، وللعائلة، وللذاكرة التي تتآكل حين يغيب أصحابها أو تتغير ملامح الحياة من حولهم.
وقد نجح مؤيد الشاوي في توظيف الرمز دون أن يغرق في الغموض. فكل عنصر في الرواية يؤدي وظيفة داخل البناء السردي، ويضيف طبقة جديدة من المعنى، حتى يشعر القارئ أن النص يتسع لتأويلات متعددة دون أن يفقد وضوحه أو تماسكه.
ما يميز هذه الرواية أيضاً أنها لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تثير أسئلة تبقى عالقة بعد إغلاق الصفحة الأخيرة. ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟ وهل تحفظ الأمكنة أصحابها أكثر مما يحفظها الناس؟ وهل يمكن للذاكرة أن تكون وطناً حين نفقد الأوطان؟ تلك الأسئلة لا تأتي على هيئة خطب فلسفية، وإنما تتشكل بهدوء داخل النسيج السردي، فتمنح الرواية عمقها الإنساني.
خرجت من قراءة “فيلا سعيد علوان” وأنا أشعر أنني لم أغادر الفيلا تماماً. بقي شيء منها يسكن الذاكرة؛ رائحة الغبار، وصمت الغرف، وثقل الصور القديمة، والإحساس بأن الأمكنة تموت ببطء حين يغادرها الذين منحوا جدرانها الحياة. إنها رواية لا تعتمد على صخب الأحداث بقدر اعتمادها على قوة المعنى، ولا تراهن على الإدهاش اللحظي، بل على أثر يبقى طويلاً في نفس القارئ.
لهذا أرى أن “فيلا سعيد علوان” ليست رواية عن مكان فحسب، وإنما عن الإنسان حين يحاول أن ينقذ ما تبقى من هويته وسط تغير العالم. إنها عمل أدبي يوازن بين جمال اللغة، وعمق الفكرة، وتماسك البناء السردي، ويؤكد مرة أخرى قدرة مؤيد الشاوي على كتابة رواية تجعل الذاكرة بطلتها الحقيقية، وتجعل القارئ شريكاً في إعادة اكتشافها.
مقطعٌ قصير من رواية “فيلا سعيد علوان”.
في قلب الأجواء المبهجة التي غمرت بيت ليلى احتفاءً بتخرج أمين في كلية الهندسة، سعيد علوان يجلس صامتاً، يرقبها بعينين ملأهما التساؤل والقلق. ظل يتأمل ملامحها لوهلة، مستحضراً ماضيها ومستفسراً عن تلك الأيام العجاف التي عاشتها. وفي صوته حيرة خفية، كأنما أيقن أن في جعبة ليلى مفتاح الحكاية بأكملها، وسبيل لم شمل شتات تلك الذكريات المبعثرة.
أجابته ليلى بنبرة انبعثت من أغوار روحها؛ أشبه بصرخة مدوية خرجت من دهاليز ذاكرة عميقة، وكأنها تجرع مرارة الألم ذاته في تلك اللحظة. قالت:
”كل الأيام غدت عجفاء ومريرة منذ أن هُجِّرتم قسرًا إلى إيران.. لكن اللحظة الأشد قسوة، والتي قصمت ظهري، كانت يوم قُتل أخي علي.”
أطبقت صمتًا لبرهة، وغارت عيناها في بحر من الذكريات البعيدة، تحاول الإمساك بزمام تلك اللحظة الفاصلة، ثم تابعت: “كان يشارك في الانتفاضة الشعبانية.. الجميع يدرك أن ما يحدث على الأرض أكبر من مجرد مواجهة، لقد كان يومًا مشؤوماً”.
استرسلت ليلى وكأنها تستعرض شريطًا سينمائيًا للدمار الذي حاصر حياتها: ” قوى الجيش تفرض سطوتها على كل شبر. جثة أخي ممددة هناك، قرب جرف النهر في البقعة التي احتلها الجنود، بينما كنا نحن نقف على الضفة المقابلة. تكمن الفاجعة في أننا كنا نرى ونسمع كل شيء، لكننا نقف عاجزين، تفصلنا عن جسده خطوات مستحيلة.”
في عينيها تجلى وجع السنين، وفي نبرتها انكسار لا تجبره الكلمات. أردفت والدموع تحجب الرؤية: “كنت أسمع دوي القصف من بعيد، وجلبة الجنود وهم يتأهبون لاجتياح بلدتنا الصغيرة. كانوا يوصموننا بـ ‘الغوغاء’، ونحن وقوف هناك، نشاهد المشهد كأشباح تراقب حتفها. حاول شبان كثر الوصول إليه، لكن رصاص القناصة كان الأسرع؛ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من أُصيب، وانقطع كل أمل.”
ثم أطل ذلك اليوم الذي نفد فيه صبر ليلى، وقررت أن تخوض غمار الموت بنفسها لتستعيد جثمان أخيها.
” ذلك في شهر آذار، والطقس عاصف يزمجر بوقاحة. الرياح تعصف، والأمطار تتهاطل بغزارة كأن السماء تشاطرني مأتمي. ركبت الزورق، ولم يكن في قلبي متسع للخوف، بل غاية واحدة: استعادة أخي بأي ثمن. أطلق الجنود نيرانهم باتجاهي، وخرقت مسامعي تهديداتهم بالقتل وأوامرهم بالعودة.. لكن خطوت القهقرى مستحيلة، فالأمر تجاوز حدود الخوف؛ إنه أخي، ولم يكن أمامي خيار آخر.”
تنفس الصُّعداء، وتابعت الصراع مع الزمن والموت يحتدم في داخلها: “اقتربت من الضفة المحظورة، الجنود مرابطين على بعد خطوات قليلة. صرخ أحدهم بصوت متحشرج شابَه الارتباك من وراء سواترهم: ‘ارجعي.. ارجعي الآن!’. لم تلامس كلماته وعيي، فقد بلغت نقطة اللاعودة.”
هنا، صمتت ليلى لثوانٍ، وشخصت ببصرها نحو السماء كأنها تبرق لروح أخيها بتحية.
”وقفت شامخة في وجه فوهات بنادقهم، سحبت حجابي الأسود بحدة، ورفعت يدي صامتة ثم صرخت بملء فمي: ‘يا أهل الغيرة.. إخواني العراقيين.. أنا أختكم، أنا شرفكم وعرضكم.. لا أريد شيئًا، دعوني آخذ أخي وأرحل’.”
كلماتها تحمل هيبة لا يملكها إلا من تعمد بمرارات الفقد؛ نداءً امتزج فيه الانكسار بالفخر، فهزَّ قيم الإنسانية والنخوة في نفوسهم. أمام ثقل تلك الكلمات، أدار الجنود وجوههم حياءً، وشُلّت قدرتها على الرد أو المنع.
استغلت ليلى تلك اللحظة، واقتحمت الحشائش الكثيفة وأعواد القصب والبردي المحيطة بالجثة، غير آبهة بشيء. انحنت لترفع جسده إلى الزورق، لكن الجسد كان ثقيلًا، كأنما تشرب من طين الأرض ووقار الموت. عجزت في المحاولة الأولى، لكن الإصرار كان دافعها.
” يده متيبسة كعُرجون جاف، استجمعت كل ما تبخر من قواي وسحبتها بشدة. في تلك اللحظة، خُيل إليّ أمر غريب؛ شعرت بذراعه اليمنى وكأنها تلتف حول عنقي في عناق أخير، تتشبث بي لتهبني القوة.. أصارع جسدًا غادرته الحياة، لكن روحه تعينني.”
أخذت ليلى شهيقًا عميقًا، كأنها تسترد به شريط العمر الذي تقاسمته معه، وحين زفرت، شعرت وكأن كبت السنين وأوجاع الصدر قد تبددت مع ذلك النفس، مستمرة في جهادها.
احكمت ربط جسد أخيها بحبل معها، وبجهد خارق، دفعت الزورق عائدة نحو الضفة الآمنة. تختم ليلى حكايتها والدموع تنساب: ” الرياح تعوي والأمطار تزداد تدفقًا كأنها غسيل للبلاد من هذا الوجع.. أجدف بكل ما أوتيت من عزم، وأتساءل في سري: هل يا ترى أمطار السماء أغزر.. أم دموع قلبي؟”.