كتاب وشعراء

قراءة في قصة “اليوم التالي” للكاتب: عماد أبو زيد.. بقلم الكاتبة: نجاح الدروبي

اليوم التالي.. قصة قصيرة بقلم الكاتب: عماد أبو زيد

انشطرت إلى نصفين.. أسير بنصف جسد.. ذراع وساق فقط.. لا أدري إذا كنت أمشي بنصف جسدي الأيمن أم الأيسر؟.. ولا أدري إذا كان قلبي يعمل بكامل كفاءته أم لا؟
حين أنظر إلى المرأة.. يعود إليّ النصف الآخر المفقود.
شيءٌ مرهقٌ أن أقف أمام المرآة طويلاً.. محتفياً بعودة نصفي الثاني!. عيناي تدمع.. لا.. لا.. لم تكن عيناي معاً.. لقد أخطأت التقدير.. كانت عين واحدة فقط لنصفي الحي.. الذي لازال يدبُّ على الأرض. أذكر نصفي الثاني حين تحامل على نفسه.. رغم جرح قدمه.. وحملني على كتفه.. وأنا طفلٌ صغيرٌ.. كانت الأمطار الغزيرة قد قطعت علينا الطريق. وأذكر حين جاءني إلى محطَّة القطار.. وأنا في مقتبل العمر.. كنت قد غادرت البيت، مُتوجِّهاً إلى المحطَّة.. في طريقي إلى محلِّ عملي بالإسماعيليَّة.. دون أن ألتقيه.. كانت السَّاعة تقترب من العاشرة صباحاً.. تسنَّى لي يرتدي قميصاً أبيض بنصف كم، وبنطالاً أسود.. بينهما حزام أسود.. مع حذاء كلاسيك أسود.. كان لايزال شعر رأسه الأبيض ممتزجاً بالأسود.. كما في الصورة التي أضعها فوق مكتبي الآن. قدَّم لي رغيف خبز ساخن.. قبلته.. واقتسمته معه.
في مساء اليوم التالي لمحاولتي العيش بذراع واحدة وساق واحدة.. جلست في الشارع.. كان رتلان من المقاعد الخشبيَّة.. يصطفَّان أمام الباب.. وفرعان من مصابيح الإنارة تتدلَّى فوق رؤوسنا، وصوت رخيم لشيخ يتلو القرآن.. ينسال من “فلاشا”.
للحظة قفزت من فوق مقعدي.. تخيَّلت أنَّ نصفي الثاني بداخل البيت.. ويتحتَّم عليَّ أن أناديه كيما يصافح ضيوفنا. أمام المرآة ألمح نظرة عين نصفي الآخر.. في عيني.. تنفلت دموعي.. أتماسك.. أحاول أن أكون بخير.

الرؤية والتحليل بقلم الكاتبة: نجاح الدروبي

قصة وجدانية مكثَّفة تعجُّ بالرموز، وتعبِّر عن حالة “انشطار الجسد” وفقدان الذراع والساق عن الصدمة النفسية العميقة التي تصيب الإنسان بعد فقدان عزيز؛ لدرجة تجعل البطل يشعر وكأنه فقد نصفه الحي.

كما استخدم الكاتب تفاصيل دقيقة جداً لتعزيز مصداقية القصة مثل: “قميص أبيض بنصف كم، الإسماعيليَّة، رتل المقاعد الخشبيَّة”، واعتمد على جمل لغوية قصيرة تعكس حالة التشتُّت والاضطراب الداخلي للبطل، وتتناسب طردياً مع فكرة انشطار الجسد والروح.

الشخصيات: الراوي (الشخصية الرئيسية): شخصية تعاني من صدمة نفسية وجسدية بسبب الفقد، تعيش في حالة من الوهم والذكريات، وتحاول التماسك ومواجهة الواقع.

-النصف الآخر (الأب/العزيز المفقود): شخصية محبَّة، خيِّرة، ومضحِّية (يظهر ذلك في حمله للراوي في طفولته تحت الأمطار، ومشاركته رغيف الخبز).
بينما تتصاعد العقدة في شعور الراوي بالانشطار وفقدان نصف جسده وعدم قدرته على التوازن. وسط مكان يسترجع فيه ذكريات طفولته وقت المطر ومحطة القطار، ثم تأثر الراوي الذروة عند سماع القرآن في الشارع، ومايراوده من خيال مفاجئ بأن “نصفه الآخر” موجود داخل البيت. ثم تنقشع العقدة ويخرج الراوي من وهمه للتعايش مع الواقع، والوقوف أمام المرآة محاولاً التماسك ومداراة شجونه ليكون بأحسن حال حيث قال: “أتماسك.. أحاول أن أكون بخير”.

قدَّم الكاتب أحداث قصَّته من خلال ذكريات الطفولة ومقتبل الشباب، وفي الشارع أمام المنزل، وأمام المرآة والمكتب وفي محطة القطار بالإسماعيلية.. كما قدم أحداثه خلال يومين كاملين وقت المساء فنوَّع بالأزمنة والأمكنة

– البلاغة اللغوية ودلالاتها ورموزها:
نقرأ في قصَّة “اليوم التالي” “التشخيص البلاغي في قول الراوي: “نصفي الحي.. الذي لازال يدبُّ على الأرض”، حيث جعل من الذكرى أو الشخص الغائب كائناً حيَّاً يمشي معه.
في حين تطالعنا الاستعارة بقوله: “انشطرت إلى نصفين”، وهي صورة تبيِّن مقدار الألم والتمزق الداخلي والفراغ الذي تركه الفقد.
بينما ترمز المرآة للماضي وللذات المفقودة، فهي الأداة التي يرى فيها الراوي اكتماله الوهمي وحقيقته الموجعة في آن واحد

تيار الوعي:
يغلب على الأسلوب واللغة طابع المونولوج الداخلي (الحوار مع النفس)، وتداخل الزمنين: الماضي والحاضر دون مقدمات، وهو ما يعكس حالة التشويش النفسي للراوي.

لغة مشحونة بالعواطف
استخدام الكاتب “عماد أبو زيد” لغة وجدانية عاطفياً وإحساساً، مع تكرار بعض الكلمات للتأكيد على حالة التردُّد والارتباك كتكرار حرف الجواب: “لا.. لا..”
كذلك استخدم أسلوب التقاطع والنقاط (…) بشكل متكرِّر، وهو أسلوب فني يعبر عن التنهدات، والتردد، والشرود الذهني للراوي.

رمزية المرآة:
ترمز المرآة إلى الاحتواء والذاكرة وإحساس الراوي بهويته وبشخصيته الكاملة، فحين يقف أمامها يستعيد “نصفه الآخر”، أو ربما ترمز إلى شخص عزيز فقده (كالأب أو الأخ) ويراه ممتداً في داخله.
للقصة أبعاد ودلالات موحية تتراوح بين الأسلوب النفسي والفلسفي إضافة إلى العاطفة الوجدانية العميقة التي منحت الأحداث بُعداً إنسانياً موحياً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى