قراءة تحليلية نقدية في القصة القصيرة جداً”احتيال” للكاتب: حسن لختام.. بقلم الأديب الناقد: ماجد القيسي

ق ق ج
احتيال
أسهبوا في سرد روايات الجحيم، ردّ بلغات الحياة. حين شعروا بقوة الوعي تزلزلت مطامعهم… برزت علامة النصب على جباههم، وتدلّت فتاواهم مع لحاهم!
حَسن لختام/ مراكش – المغرب 2026/7/7
هناك نصوص لا تحتاج إلى مساحة واسعة كي تقول ما تريد. تكفيها بضعة أسطر لتترك في ذهن القارئ سؤالاً لا يغادره بسهولة.
هذا ما شعرت به وأنا أقرأ القصة القصيرة جدًا “احتيال” لحَسن لختام. انتهت الكلمات سريعاً، لكن أثرها بقي أطول من حجمها، وكأنَّ الكاتب أراد أن يضع إصبعه على جرح يعرفه كثيرون، ثم يمضي تاركاً للقارئ مهمة التفكير.
العنوان وحده يفتح باباً واسعاً للتأويل. فـ”الاحتيال” هنا لا يبدو متعلقاً بسرقة المال أو خداع الأفراد بالمعنى المتداول، بل يتجه نحو مساحة أكثر خطورة؛ مساحة الاحتيال على العقول، وعلى الخوف، وعلى الإيمان نفسه. منذ البداية يضع الكاتب القارئ أمام قضية لا أمام حكاية، ولذلك يأتي النص أقرب إلى لحظة كشف منه إلى حدث سردي تقليدي.
يفتتح الكاتب المشهد بجملة مكثَّفة: “أسهبوا في سرد روايات الجحيم”.
توقَّفت عند فعل أسهبوا. فالإسهاب ليس مجرد كلام طويل، بل محاولة لإغراق السامع حتى لا يترك له فرصة للتفكير. رأيت في هذه الصورة شيئاً من الواقع الذي نعيشه؛ كم مرَّة يتحوَّل التخويف إلى وسيلة للهيمنة؟ وكم خطاباً يعتمد على زرع الرعب أكثر من اعتماده على الإقناع؟
لكن الجملة التالية تقلب المشهد كله: “ردّ بلغات الحياة.” لم يقل: ردّ بالحجج، أو بالكتب، أو بالخطابات. اختار الحياة نفسها. وكأن الحياة، بما فيها من عقل وعمل ومحبة وأمل، هي الجواب الطبيعي على ثقافة الخوف. هنا تكمن المفارقة الجميلة في النص؛ فالجحيم لا يُهزم بجحيم آخر، وإنما بالحياة.
ثم تأتي اللحظة المفصلية: “حين شعروا بقوة الوعي تزلزل مطامعهم.” الوعي هو الشخصية الغائبة الحاضرة في القصة. لا يظهر بوصفه فرداً، بل قوة قادرة على إرباك كل من بنى نفوذه على الجهل. وهذه فكرة تستحق التأمُّل. فالخائف يسهل قيادته، أما الإنسان الذي يسأل ويفكِّر ويقارن، فمن الصعب أن يقع فريسة للخداع. أليس هذا ما تؤكِّده تجارب المجتمعات في كل زمان؟
الخاتمة هي أكثر مواضع النص جرأة.
يقول الكاتب: “برزت علامة النصب على جباههم، وتدلّت فتاواهم مع لحاهم.” ليست الصورة هنا هجاءً للمظهر الديني بقدر ما هي فضح لاستغلاله. فالكاتب لا يحاكم اللحية ولا الفتوى في ذاتهما، وإنما يحاكم من يجعل منهما وسيلة لتحقيق مصالحه. وحين تتدلَّى الفتاوى مع اللحى، فإنها تفقد وقارها المعنوي وتتحوَّل إلى شيء معروض، كأنَّها سلعة فقدت قيمتها بمجرد أن انكشف الغرض منها.
أعجبني في النص أنه لم يسمِّ أحداً. لم يحدِّد جماعة أو بلداً أو زمناً، ولذلك بقي مفتوحاً على احتمالات كثيرة. يمكن أن نقرأه في سياق ديني، أو سياسي، أو اجتماعي، أو حتى إعلامي. فكل خطاب يقوم على إخافة الناس وإخفاء الحقيقة يدخل، بدرجة ما، في دائرة هذا “الاحتيال”.
لغوياً، اعتمد الكاتب على أفعال متتابعة صنعت حركة سريعة داخل النص: أسهبوا، ردّ، شعروا، تزلزل، برزت، تدلّت. لا توجد زخارف لفظية ولا استعراض بلاغي، بل كلمات قليلة تتحرك بثقة، وتترك للقارئ أن يملأ الفراغات بنفسه. وهذه إحدى أصعب خصائص القصة القصيرة جداً؛ أن تقول أقل ما يمكن، وتوحي بأكثر ما يمكن.
وأنا أقرأ، تذكرت مواقف كثيرة مررنا بها في حياتنا؛ حين كان بعض الناس يظنون أن رفع الصوت يكفي لإسكات الحقيقة، ثم يكتشفون متأخرين أن فكرة صغيرة، أو سؤالاً بسيطاً، كان قادراً على هزِّ الصورة التي صنعوها لأنفسهم. ربما لهذا بدا النص قريباً من الواقع، رغم أنه لم يذكر واقعة واحدة.
قصة “احتيال” لا تقدِّم حلولًا، ولا ترفع شعارات. إنها تكتفي بإضاءة زاوية معتمة، ثم تتركنا أمام سؤال لا أظن أن الإجابة عنه سهلة: ما الذي يخشاه أصحاب التضليل أكثر من إنسان يملك وعيه؟
بهذه الومضة المكثَّفة ينجح حَسن لختام في تقديم نص يراهن على ذكاء القارئ، ويثق بقدرته على التقاط الإشارات دون شرح مباشر.
ماجد القيسي / العراق