
“نصٌّ تأملي في تكرار الوحش، حين تتغيّر الأزمنة ولا تتغيّر الأسئلة”
في العصورِ الغابرة،
كان كلُّ شيءٍ مُرتّبًا بإفراطٍ مريع؛
شريعةٌ بلا جُمل، بلا حروف،
وفوضى تنصّبُ نفسها قانونًا للبقاء.
وحوشٌ تعملُ بشريعتها العمياء
وقتَ الجوعِ والمصائب.
لا محافلَ للمفاوضات،
ولا قيمَ لحوارٍ حول قتلِ الفيل،
أو جرِّ الحوتِ إلى اليابسة ليتعفّن.
لم تكن عبودية… حتى بين الحمير؛
فالكلّ حرٌّ في حرصه وخوفه.
لا تخفْ إن كنتَ أحمقًا بين الوحوش؛
فالعقاربُ العنقودية،
والأفاعي المجنّحة، والتنانين…
ليست إلا خيالًا نمنحه أنيابًا
لنؤمنَ بجبروتِ الخوف.
سمّوها “رعبَ الأساطير”،
أولَ روايةٍ ضدَّ السكينة،
ثم صارت… ضدَّ الحياة.
⸻
أشجارٌ تُثمرُ لصغارِ القِرَدة،
وتماسيحُ تأكلُ التفاح
وتتركُ ما يكفي للعصافير.
والعصافيرُ تشدو
كشكرِ المساكينِ على أبوابِ المعابد.
لم تلدِ الكلمةُ شقاءً؛
كانت البهجةُ وحدَها تُحلّق،
إلى أن اكتشفها صيّادٌ فاشل،
وضعَها في حلقِه،
ونسيَ لماذا اصطادَها.
تعشّى بالحزن،
ونام كطيرٍ أسود
يُلقى على جبلِ الأفاعي
دون ذاكرةٍ للعودة…
وهو من سمّى نفسه صيّادًا قط.
⸻
والجرادُ، ذاكَ المخلوقُ المكروه،
بقدمين ككرسيِّ الملوك،
كان يكرهُ القمح،
ويهدي السنابلَ للنملِ بسرور.
ويقول:
«أحبُّ شبعَ المخلوقات،
لا بدَّ من التنازلات…
فالحوارُ لا يولدُ من الشبع.»
«لا تكرهوني… فلديّ أخلاق.»
قالها بصدق،
لكن لم يصدّقه أحد.
فولدتِ التفاهةُ من حنقِ الجراد،
وخرجَ الجرادُ ليثأر،
فأحدثَ مجاعةً لا تُنسى.
ذُكرت في العصور الغابرة،
ثم نُسيت،
وبقيتِ التفاهةُ شاهدًا
في حقلٍ سمّوه لاحقًا:
“حقلَ الحرب”.
حجارةٌ سوداء
نبشتْ نفسَها من باطنِ الأرض،
وظهرت…
كي لا يفتتنَ بها أحد.
⸻
في العصورِ الغابرة،
لم يكن مشرّدون،
ولا خيامٌ تُنصبُ للعمرِ كلّه.
لم يُلغِ أحدٌ الأمل،
ولا المفاجأةَ السعيدة،
منذُ أوّلِ خيمةٍ
قلبتْها الرياحُ على الأجساد
تحتَ صقيعِ المواسم.
هيئاتٌ أنيقة
تخرجُ لزيارةِ الحزن،
توزّعُ حبالًا لشدِّ الخيام،
وأوتادًا تُدقُّ بالحَجَر…
وصار الترفُ في المطارق
عيبًا بشعًا.
وكانت الأوطانُ محتلةً
بدجاجٍ ساخرٍ وعملاق،
جلبوهُ من بطنِ جورهم،
وأسكنوهُ مزرعةَ حقدهم،
وأحاطوهم بأسلاكٍ
من خيبتهم نفسها.
زوارقُ الصيدِ حملتْ
مَن أصرّوا على الحياة
خارجَ الشرنقةِ السوداء،
هربوا، تاركينَ التاريخ،
يحلمونَ بالعودة…
سبعينَ سنةً وهم يقظى.
⸻
كانت الكراهيةُ
عنوانَ المؤتمراتِ الفاسدة،
والنشيدُ الرسميُّ
يُخفي غبارَ الوجوه.
وغولٌ بشعٌ
يبتلعُ الأطفال
بأوامرِ القضاءِ الأمميّ؛
لا بدَّ من التأكّدِ
من موتِ الطفل قبلَ الولادة،
على بابِ الرَّحِم بلُغمٍ أرضيّ،
لنقول: مات…
ونشاركُ في الحزن
كأنَّ الفرحَ بريءٌ من الجريمة.
أغلقتُ فمي وأخفيتُ لساني،
وكأنني لم أَلْفِظْ حرفًا،
ولا أعرفُ طعمًا.
مرّت قذيفةٌ مثل طيرٍ أسود،
بصفيرٍ لا يشبهُ اللغات.
وقعَ ثم انفجر،
حفرَ لنفسه حفرةً
ودفنَ أناسًا
كانوا ينظرون إلى السماء.
تقاربتِ العصورُ الغابرةُ
إلى غبارٍ أشدَّ حضورًا
من تاريخِ العبورِ الأول،
حين وقفتْ امرأةٌ
تعدُّ أفراخَ التماسيح،
وتُباركُ أمهاتِهم،
كأنها تمثّلُ هيئةَ الأمم.
⸻
نُصِّبَ ملوكٌ قساةٌ
في حقولِ القمح،
قريبةٍ من أفواهِ الجياع،
وعُلِّقتْ صورُ الزاحفين
خوفًا من انطباقِ السماءِ
على قلوبِهم.
لا نجدةَ تأتي من كهوف،
ولا من آبارِ النارِ السائلة.
لا مكانَ للقيمِ
في عصرِ الغولِ المصنوعِ للكذبِ والقسوة.
غولٌ متخفٍّ
تحتَ طلاءِ الجدران،
وحتى في غلايةِ سلقِ بيضِه الصباحي.
ما أغربَ أنني وُلدتُ
بعدَ العصورِ الغابرةِ بساعات؛
جميعُ الألوانِ تغرقُ
في رماديّةِ السفهاءِ
حين يقتلونَ صيدَهم البشري.
لم يتحطّمْ شيءٌ
من تلكَ العصورِ الغابرة.
نُحبُّ اللهَ دونَ شقاء،
لكنْ حتى في محبّتِه
نختلفُ ونتقاتل.
ورثْنا الغضبَ من الغضب،
وأحببْنا أن نكونَ استثناءً
عن كلِّ المعاصي…فهي ببساطة
من عملِ العملاء.
⸻
من نحنُ
في زمنٍ يترنّحُ على حبالِ الفوضى،
وفي حربٍ تعدُ بالحبِّ
ولا تُطعمُ إنسانًا؟
متى صنعتِ الحربُ أخوّة؟
أصبحنا لا نتمتّعُ بشيءٍ
لا نعلمُ نهايتَه،
ونجدُ في بدايتِه قلقًا.
من وضعَ البهجةَ بين يدينا؟
هل يفيضُ هذا عن حاجةِ الغول،
أم أنّه ملاكٌ مطرودٌ
من براكينِ السماء؟
الذينَ ضربونا وأوجعونا
لم يأتوا من فراغ،
ولا من غيمٍ بعيد،
ولا من العصورِ الغابرة؛
ولا ينتمونَ
إلى ثقافةِ الثقافات.
لكنَّ حلمَهم كان…
أن لا نكون. فضربوا الهواء،
وتنفّسوا الجريمة.
⸻
نُورِّثُ الثقةَ لنفسِها،
ونرحلُ في خوفٍ منها،
لنكونَ قصّةً عابرةً
من الجميع… إلى الجميع.
الحياءُ وُلدَ متأخرًا،
واكتفى بوجوهِ المحرومين،
يعودونَ إلى الصيّادِ
بكوابيسِ الأفاعي
على الجبال.
طاهر عرابي – دريسدن
21.04.2023 | نُقّحت في 14.07.2026