غير مصنف

بين التجمّل والاغتراب…رحلة الإنسان في مرآة الفن والخطاب.. بقلم الكاتب الجزائري: محمد عدنان بن مير

يقدّم فيلم “أنا لا أكذب ولكني أتجمّل” رؤية فنية وفلسفية عميقة لصراع الإنسان مع نظرة المجتمع ومعايير القبول التي تُفرض عليه. فالبطل يجد نفسه ممزقاً بين هويته الحقيقية وصورته التي ينتظرها الآخرون منه، فيلجأ إلى التجمّل وسيلة للاندماج كطريق نحو اعتراف اجتماعي يفتقر إليه. غير أن هذا السلوك، وإن بدا حلاً عملياً، يتحوّل تدريجياً إلى مأزق وجودي يضع الإنسان أمام أسئلة مصيرية حول ذاته ومعنى وجوده وموقعه في العالم. وهكذا يصبح التجمّل ليس مجرد فعل اجتماعي، بل أزمة هوية واغتراب عن الذات، تكشف الطبيعة المعقدة للإنسان حين يقف بين ما هو عليه وما يطالبه المجتمع بأن يكونه. ومن هنا تبرز الإشكالية الفلسفية:
– هل يمكن للتجمّل أن يكون وسيلة مشروعة للاندماج، أم أنه يتحول بالضرورة إلى اغتراب وجودي يفصل الإنسان عن أصالته وهويته الحقيقية؟

للإجابة عن هذه الإشكالية، يجب أولاً فهم السياق الذي يدفع البطل إلى التجمّل. فالمجتمع، بمعايير الطبقية الصارمة، يحاصر الأفراد داخل صور جاهزة تجعل من الصعب على الإنسان البسيط أن ينال الاعتراف دون أن يتخلَّى عن جزء من ذاته. لهذا يلجأ البطل إلى صنع صورة جديدة تمنحه مساحة للحب والتقدير. غير أنَّ هذه الصورة، لأنها لا تنبع من الداخل بل من ضغط خارجي، تخلق حالة من (الاغتراب) بينه وبين ذاته، فيعيش حاضراً بوجه لا يشبه ما يحمله في داخله.

وهذا يقودنا إلى مفهوم (الهوية)، التي لا تُبنى فقط من خلال ما نعرفه عن أنفسنا، بل أيضاً من خلال نظرة الآخرين إلينا. فحين يشعر الإنسان أن هويته الأصلية غير مُعترَف بها، يبدأ بتشكيل هوية بديلة تتلاءم مع توقعات المجتمع. البطل ليس استثناءً؛ إنه يعيد تشكيل ذاته ليصبح “نسخة مقبولة” في نظر الآخرين، لا ذاتاً متصالحة مع حقيقتها. وهذا ما يجعله يعيش صراعاً بين الأصالة والتصنّع، بين الظهور والجوهر.

ويتعمَّق الصراع حين نقرأه من زاوية (الفكر الوجودي). فالفرد، كما يقدّمه الفيلم، يقف بين خيارين:  
إما أن يعيش أصالته مهما كانت عارية أو مؤلمة، وإما أن يعيش “من أجل الآخر”، أي ضمن الصورة التي يُنتظر منه أن يقدِّمها. ومثلما يقول الفلاسفة الوجوديون، فإن الإنسان حين يتخلى عن حريته الداخلية ليصبح مجرد انعكاس لنظرة الآخرين، فإنه يفقد ذاته ويقع في اغتراب وجودي يفصل بينه وبين معنى حياته الحقيقي. البطل هنا يعيش وجوده كصورة، لا كذات؛ يقدّم نفسه وفق ما يجب أن يكون لا وفق ما هو عليه فعلاً.

ولا يمكن إغفال (دور الفن) في صناعة هذه الشخصية وفي كشف هذه الأبعاد. فالفيلم لا يقدِّم البطل على أنه مجرد شخص فقير يُجمّل حياته، بل يجعله نموذجاً للإنسان المعاصر الذي يعيش تحت ضغط الصورة الاجتماعية. من خلال اللغة البصرية، والمشاهد التي تكشف التناقض بين ظاهر البطل وباطنه، ينجح الفن في تجسيد الحالة النفسية والوجودية للشخصية، وفي نقل صراعها الداخلي إلى المشاهد بطريقة تتجاوز الكلمات.
الفن هنا لا يروي قصة فحسب، بل يفضح واقعًا إنسانياً يعيش فيه الكثيرون: واقع ارتداء الأقنعة، البحث عن الاعتراف، والخوف من الحقيقة.

وينعكس ذلك في حياتنا اليومية بصورة واضحة. فالشاب الذي يصنع لنفسه حياة مثالية على وسائل التواصل، والطالبة التي تغيّر لهجتها لتنسجم مع بيئة اجتماعية معينة، والموظف الذي يخفي قلقه خلف ابتسامة مصطنعة، كلهم يعيشون تباعداً بين ما هم عليه وما يظهرون به. هذه الحالات ليست مجرد سلوكيات اجتماعية، بل “تجارب اغتراب” يتكرَّر فيها ما عاشه بطل الفيلم: انفصال الإنسان عن ذاته تحت ضغط المظهر.

ومن ثم، يظهر أن التجمّل، وإن بدأ كوسيلة للاندماج، يتحوَّل غالباً إلى صراع وجودي بين الظهور والحقيقة، وبين الهوية الأصلية والهوية المصنوعة، وبين الإنسان وذاته. وهكذا يصبح السؤال ليس فقط: لماذا نتجمَّل؟ بل: ماذا نفقد حين نتجمَّل؟ وهل يتحمَّل الإنسان ثقل الصورة التي يصنعها لنفسه أكثر من تحمُّله لثقل حقيقته؟

يكشف الفيلم، من خلال مسار بطله، أن التجمّل قد يمنح الإنسان اعترافاً سريعاً، لكنه يسرق منه في المقابل صدقه الداخلي ويقوده إلى اغتراب يزداد عمقاً كلما ابتعد عن ذاته الحقيقية. فالفن هنا لا يعرض أزمة فرد، بل مأزق وجودي عاشه الإنسان في كل العصور: هل يعيش ذاته كما هي، أم يعيش الصورة التي تتوقعها منه الجماعة؟
إن التحرر من هذا الاغتراب يتطلب شجاعة في مواجهة الذات والمجتمع، واعترافاً بقيمة الإنسان الجوهرية بعيداً عن معايير المظهر والطبقة. ومع ذلك يبقى السؤال الفلسفي مفتوحاً:
هل يستطيع الإنسان أن يكون أصيلاً حقَّاً في عالم لا يتوقّف عن مطالبته بأن يكون نسخة أخرى من نفسه؟

بقلم: محمَّد عدنان بن مير
باحث وكاتب ومفكِّر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى