رؤي ومقالات

: د. عبد الرحيم جاموس يكتب:حركة فتح بين استحقاق التجديد ومسؤولية إنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني …

ليست القضية اليوم من يقود حركة فتح، ولا كيف تُوزَّع المواقع داخل هيئاتها القيادية، بل كيف تستعيد الحركة قدرتها على قيادة المشروع الوطني الفلسطيني في لحظة تتعرض فيها القضية الفلسطينية لأخطر محاولات إعادة تشكيلها منذ النكبة. فاختزال ما يجري داخل اللجنة المركزية في خلافات تنظيمية أو تنافس على النفوذ يُفقد المشهد معناه الحقيقي، لأن ما تواجهه فتح اليوم يتجاوز الأشخاص إلى سؤال التاريخ، ويتجاوز التنظيم إلى مستقبل القضية الفلسطينية نفسها.

لقد ارتبط اسم حركة فتح، منذ انطلاقتها، بإعادة الاعتبار للهوية الوطنية الفلسطينية، وإحياء الشخصية السياسية للشعب الفلسطيني، وقيادة النضال الوطني حتى أصبحت العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. غير أن الحركات الوطنية، مهما عظم تاريخها، لا تعيش على أمجاد الماضي، بل تتجدد بقدرتها على قراءة الواقع، واستيعاب المتغيرات، وإعادة إنتاج أدواتها بما ينسجم مع تحديات كل مرحلة.

واليوم تقف الحركة أمام مرحلة تختلف جذريًا عن كل ما سبق. فالحرب المدمرة على قطاع غزة، والتوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية والقدس، ومحاولات تكريس الضم وفرض الوقائع بالقوة، والسعي إلى تهميش منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها قضية إنسانية أو أمنية، كلها تطورات تنقل الصراع إلى مستوى جديد، وتفرض على الحركة مراجعة شاملة لدورها وأدواتها وخطابها.

من هنا، فإن التجديد لم يعد مطلبًا تنظيميًا يخص أبناء فتح وحدهم، بل أصبح ضرورة وطنية تمس مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بأكمله. ففتح ليست مجرد فصيل سياسي، بل هي القوة الرئيسة التي تحمل، بحكم تاريخها وموقعها، مسؤولية خاصة في حماية منظمة التحرير الفلسطينية وتعزيز وحدتها وتجديد مؤسساتها، باعتبارها الإطار الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

إن الأزمة الحقيقية التي تواجهها الحركة ليست أزمة قيادة أو أشخاص، كما يذهب البعض، وليست مجرد أزمة تنظيم، بل هي أزمة انتقال تاريخي من مرحلة إلى أخرى. فقد نشأت فتح في زمن التحرر الوطني والكفاح المسلح، ثم قادت مرحلة الاعتراف الدولي والتمثيل السياسي، وأسهمت في بناء السلطة الوطنية الفلسطينية، أما اليوم فإنها تواجه مرحلة جديدة عنوانها حماية المشروع الوطني من محاولات التفكيك والتصفية، في ظل تحولات إقليمية ودولية عميقة، وانقسام فلسطيني طال أمده، وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي. فالمطلوب ليس مجرد تداول للمواقع القيادية، بل إعادة بناء الفكر السياسي، وتطوير المؤسسة، وتجديد آليات العمل، وإفساح المجال أمام الكفاءات، وتعزيز حضور الشباب، وترسيخ ثقافة المساءلة والعمل الجماعي. فالتجديد لا يعني القطيعة مع التاريخ، كما أن الوفاء للتاريخ لا يعني الجمود عند أدواته وتجربته.

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة وطنية هو أن تصبح أسيرة نجاحاتها السابقة، فتظن أن شرعية الماضي تكفي لضمان المستقبل. غير أن التاريخ يعلمنا أن الشرعية تُجدد بالإنجاز، وأن الثقة تُكتسب بالفعل، وأن المكانة الوطنية لا تُصان بالشعارات، بل بالقدرة على المبادرة والإصلاح ومواكبة التحولات.

ومن هنا، فإن الاختلاف داخل فتح لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خطرًا في حد ذاته. فالاختلاف حول الرؤى والبرامج، إذا جرى داخل المؤسسات، واحترم اللوائح، واحتكم إلى المصلحة الوطنية، يمكن أن يكون مصدرًا للحيوية والتجديد. أما الخطر الحقيقي فيكمن في أن تتحول الخلافات إلى اصطفافات شخصية، أو أن تؤدي إلى تعطيل الإصلاح، أو أن يُستعاض عن الحوار بإدارة الأزمات المؤقتة، في وقت يحتاج فيه الشعب الفلسطيني إلى أعلى درجات التماسك والفاعلية.

كما أن إصلاح فتح لا ينبغي أن يكون هدفًا قائمًا بذاته، بل جزءًا من مشروع وطني أشمل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس المشاركة، وسيادة القانون، وتعزيز دور منظمة التحرير الفلسطينية، واستعادة الوحدة الوطنية، بما يضمن تمثيل جميع مكونات الشعب الفلسطيني، ويعيد الاعتبار للمؤسسات بوصفها المرجعية العليا في صناعة القرار الوطني.

إن التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني اليوم لا تسمح بتأجيل المراجعة، ولا تبرر الاكتفاء بإدارة الواقع. فالمطلوب هو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة المبادرة، ومن استحضار التاريخ إلى استلهام دروسه لبناء المستقبل. وهذه مسؤولية لا تقع على عاتق فتح وحدها، لكنها تبدأ منها بحكم مكانتها ودورها وتأثيرها.

لقد أثبتت التجارب أن الحركات الوطنية الكبرى لا تُهزم حين تختلف، وإنما حين تعجز عن تحويل اختلافها إلى قوة للتجديد، أو حين تتردد في مراجعة تجربتها والاستجابة لمتغيرات العصر. وفتح، بما تمتلكه من رصيد نضالي وخبرة سياسية، ما تزال تملك فرصة حقيقية لتجديد رسالتها، واستعادة زخمها، وتعزيز دورها القيادي، شريطة أن تنتصر للمؤسسة على الفرد، وللكفاءة على المحاصصة، وللمصلحة الوطنية العليا على كل اعتبار آخر.

إن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني لن تصنعه حركة واحدة، لكنه أيضًا لن يُبنى بغياب حركة فتح أو بتراجع دورها. فهي ليست المشروع الوطني ذاته، لكنها كانت وما تزال أحد أهم أعمدته. ولذلك فإن قوة فتح ليست مصلحة تنظيمية، بل مصلحة وطنية، كما أن تجديدها ليس استجابة لضغوط داخلية، بل استحقاق تاريخي تفرضه طبيعة المرحلة.

وفي لحظات التحول الكبرى، لا يكتب التاريخ لمن يكتفي بحماية الماضي، وإنما لمن يمتلك شجاعة المراجعة، وحكمة التجديد، وإرادة صناعة المستقبل. وإذا كانت فتح قد نجحت في قيادة مرحلة التأسيس، فإن امتحانها الحقيقي اليوم هو أن تقود مرحلة التجديد، وأن تسهم، مع جميع القوى الوطنية، في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وصون منظمة التحرير الفلسطينية، وحماية المشروع الوطني من أخطر التحديات التي واجهها منذ عقود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى