كتاب وشعراء

على مهد الليل… بقلم: د. علي المنصوري

أعشقكِ ..
ولا أنكر وصالكِ
فالنكرانُ عُقوقُ الحبيبة
وأنا رجلٌ
إذا أحبَّ امرأةً
لا يخبّئ قلبهُ
في درجٍ مغلق

على مهدِ الليلِ
زرعتُ النجومَ ألقا
ثم دفنتُ تحتها
كلَّ ما كنتُ أخشاه

ومن أنفاسِ الودِّ
أقمتُ مآدبَ النور
ضياءً ..
نوراً ..
أقباساً لا تنطفئ
وأبقيتُ في آخرِ المائدة
كأسا سوداء
لا يشربُ منها أحد

كنتُ أقولُ لكِ ..
هذه حصّةُ الغياب

وكنتِ تبتسمين

لم أكن أعرفُ
أنَّكِ كنتِ تعرفينَ
لمن هي

أحبُّكِ ..
حتى صارَ حبُّكِ
مهنةً أمارسها ليلا
أعودُ منها مع الفجر
بيدينِ متسختينِ بالحنين

كنتُ أخلعُ معطفي
وأعلّقهُ قربَ الباب
فتسقطُ منهُ رسائلُ لم أكتبها
وصورٌ لوجهكِ
لم تلتقطها كاميرا
وتذكرةُ سفرٍ
إلى مدينةٍ
لا وجودَ لها
إلا في أحلامي

وفي كلِّ ليلة
كنتُ أسمعُ خطواتٍ
تتوقّفُ أمامَ بابي

أفتحُ ..
لا أحد

وفي الصباح
أجدُ أثرَ يدكِ
على المقبض

كنتُ أضحكُ وأقول ..
“حتى الأشباحُ تغارُ منكِ”

لكنني ذاتَ ليلة
سمعتُ الطرقَ ثلاثَ مرات

فتحتُ الباب
وجدتُ رجلا يشبهني
كان شاحباً
يحملُ في يدهِ وردةً ذابلة

وقال لي ..
“أعدْها إليَّ”

قلتُ ..
“مَن؟”

قال ..
“المرأةَ التي سرقتَها منِّي”
وأغلقَ الباب

ومنذُ تلكَ الليلة
بدأتُ أفتقدُ أشياءَ
لا أتذكرُ أنني امتلكتُها

صوتي القديم
بيتي القديم
وجهي في الصور
حتى اسمي
صار غريبا حين أنطقه

أما أنتِ
فكنتِ تزدادينَ وضوحاً
كلما فقدتُ شيئا مني
ازددتِ حضورا

حتى جاءَ الصباحُ
الذي وقفتُ فيه أمامَ المرآة
فلم أجدني
وجدتُكِ
واقفةً خلفَ الزجاج
تبتسمين

وضعتُ يدي على المرآة
فوضعتِ يدكِ فوقها

قلتُ ..
‘ماذا فعلتِ بي؟”

قلتِ ..
“أحببتُك”

صرختُ ..
“هذا ليس حبَّاً!”

فضحكتِ
ضحكةً هادئةً
وأجبتِ ..

“بل هو الحبُّ الذي طلبتَهُ أنت”

عندها فقط
تذكرتُ

تذكّرتُ الرجلَ
الذي كان يسكنُ هذا البيت قبلي

تذكرتُ صورته ..
صوته ..
اسمه ..

وتذكرتُ أنه كان يحبُّ امرأةً
تشبهكِ تماماً

ثم فهمتُ لماذا
لم أجد في ذاكرتي
لحظةً واحدةً التقيتكِ فيها للمرة الأولى

لأنني لم ألتقِ بكِ
أنا فقط ..

كنتُ الرجلَ الذي قتلَهُ حبُّكِ
ثم ورثتِ جسدهُ مني
وكنتُ طوالَ الوقت
أحبُّكِ من داخلِ قبره

د. علي المنصوري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى