
الصليب..
قصة قصيرة
كانت قرية “ن” تستلقي بين أحضان جبال قاسية..لا تعترف بالمصادفات.. ولا تغفر للغموض…..
حين ناهز “رضوان” السابعة من عمره.. أخذت أمه بيده ومضت به نحو دار “الفقيه”..ذلك البيت العتيق الذي يلتقي فيه أطفال القرية لتلقي اساسيات التعليم والذي كان محصورا بين أصول العربية والقرآن الكريم وعلومه…
كان الفقيه بالنسبة لاهالي القرية هو محراب العلوم ومنبرها..الكل تقريبا يبجله ويجله….
كان يجلس على اريكة محشوة بالريش.. يهاب الصبيان طيفه قبل ظله..ويستقون منه معالم الدنيا خارج حدود قريتهم العزلاء….
وفي يوم صيفي ثقيل..استند الفقيه إلى أريكته..وشخصت إشراقة حدقتيه حيال الأطفال..يحدثهم عن أديان العالم الغائبة عن أبصارهم..ويحشوا بالسوداوية ما أضاءته براءة الطفولة من افكارهم..واستفاض في حديثه حتى بلغ ذكر النصارى.. فوصفهم بأعداء الدين.. واستطرد بحزم يتملك القلوب قائلا:
“يتخذون الصليب معبودا لعنهم الله..اذ يشمونه على صدورهم وأيديهم ليكون لهم وسم كفر لا يزول”…
انحفرت الكلمات في أذهان الصغار كأنها خطت على ابر حديدية…وسجلت الذاكرة لديهم ان علامة الصليب العدو اللدود..وان نسيانه كفر بواح….
وقبيل أفول العام الدراسي.. أراد الفقيه جلاء التعب عن أبدان صبيانه..فقادهم نحو بركة القرية..وهي عبارة عن حفرة استقرت في مجرى نبع رقراق.. يقصدها الناس للتبرد والاستجمام..ويتعلم فيها الصبيان فنون العوم..و سرعان ما خلع الصبيان أثوابهم.. باستثناء سراويل قصيرة تجعلهم أخف حركة في الماء…قفز رضوان أولهم..و كان يجيد السباحة ببراعة تثير الدهشة وتخطف الألباب..واخذ يقطع الماء كأنه وليد الموج…
غير أن صفاء البركة الذي تعكر بلوثة الفكر الفاسد لم يدن له البقاء..اذ شق سكون الجمع صراخ ملتاث من أحد الصبية..يشير بإصبع ترتجف نحو صدر رضوان قائلا: “انظر يا فقيه..!
رضوان مسيحي كافر! انظر إلى وشم الصليب على صدره يكاد ان يتكلم..إنه دليل قطعي لا يرحم”…!
توقف اللعب..وانقبضت الأنفاس..وتقاطر الأطفال يتقدمهم الفقيه نحو الصبي الغض….
الكل رآها.. هناك.. في منتصف صدره البريء..استقرت ندبة بارزة تشبه الصليب مرسومة بدقة مريبة للغاية..
لم يستمع الفقيه للرعب المتجمد في عيني الصبي..ولم يسأله مستفسرا عن اصل العلة.. بل زأر بنعوت الكفر..واصدر من فوره الحكم ..فهوى بعصاه الغليظة على جسده الناعم..واشبعه ضربا بغيضا..و تتابعت الجلدات القاسية بلا رحمة.. والماء الممتزج بعرق الرعب البارد يتصبب من جسده المرتعد.. حتى أظلمت الدنيا في عينيه وسقط مغشيا عليه وسط صيحات الوعيد…..
لم تتوقف النيران عند حدود دار العلم..إذ طار الخبر إلى شيخ القرية والذي كان يشكل راس الجهل..وقلب الحمق النابض.. فجمع أعيانها في جلسة سادها وجوم صارم.. واتخذ القرار بالإجماع:
” النفي الفوري للكفرة رضوان وأمه”..وما بين ذلك.. فقد شن أهل القرية حربا نفسية وجسدية لا تطاق على البيت الأعزل قليل الحيلة…
ولحظة تنفيذ الحكم..
جثت الأم تحت أقدام الكبار.. تناشدهم بحرقة.. وتكشف لهم سر ذلك الجرح القديم اللئيم..وتحكي من خلال الدموع سر شجرة الشوك التي سقط بين أغصانها ولدها رضوان وهو ابن أربع سنين..فترک ذلك الحادث المشؤوم في جسده ذلك الأثر الذي اندمل ظاهره واستعار باطنه…وتعملق فأضحى تهمة لا تقبل العفو..وذنب عصي عن الغفران….
وبرغم ان ثلة من نساء القرية تكرمن نبلا بالادلاء بشهادتهن على صدق ما قالته الام المكلومة..
لكن القلوب كانت قد أغلقت أبوابها….
وقضي الامر.. واستقرت ندبة الجسد لتغدو علامة شقاء سرمدي..هجرت بسببها الدار.. وتبددت معها الطفولة في خلود تيه..!!!
عيسى جعفر
اليمن
8/9/2026