كان لا بد أن ينتهي في وقت ما العصر الأميركي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. لكن الصادم هو السرعة التي جاءت بها تلك اللحظة.
خلال الأشهر الستة الماضية، ثبت أن القوة الأميركية — التي تجسدت طويلاً في أفضل معدات القتال في العالم، وأكثر العسكريين تدريباً، وشبكة عالمية من القواعد وأنظمة الإمداد والتموين، وشراكات عسكرية ودبلوماسية تمتد إلى مختلف أنحاء العالم — لم تكن كافية لهزيمة إيران، وهي نظام قمعي يعاني ركوداً اقتصادياً ومسلح بصواريخ وطائرات مسيّرة رخيصة.
على مدى سنوات، كان الاعتقاد شبه السائد أن واشنطن، في أوقات الأزمات، تستطيع الاستفادة من احتياطيات أعمق من المال والقوات والذخائر والدعم الدبلوماسي مقارنة بأي دولة أخرى.
وحتى عندما واجهت القوات الأميركية انتكاسات في صراعات مثل فيتنام والعراق وأفغانستان، ظل افتراض واسع الانتشار بشأن القوة الجوهرية للولايات المتحدة يطمئن الحلفاء ويردع الخصوم.
لكن هذا الافتراض نفسه عزز أيضاً شعوراً بالاطمئنان المفرط، ترك الجيش الأميركي مكشوفاً الآن، بعدما أصبحت حتى الأسلحة الرخيصة المُنتجة بكميات ضخمة قابلة للتوجيه بدقة قاتلة.
لم يكن الرئيس ترمب وحده من أضعف القدرات الأميركية. لكن حرب ترمب مع إيران كشفت إلى أي مدى تغيرت الديناميات الأساسية للقوة العالمية، وإلى أي حد تراجعت القوة الأميركية.
منذ انسحاب بريطانيا من الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة القوة العسكرية الأهم في تلك المنطقة المضطربة.
وفي عام 1980، أعلنت إدارة جيمي كارتر أن الولايات المتحدة ستضمن التدفق الحر للنفط وغيره من السلع من الخليج إلى العالم.
وكان نجاح «مبدأ كارتر» يتطلب أن تؤمن الحكومات المعادية — التي كانت تشمل حينها الاتحاد السوفيتي والنظام الديني الجديد في إيران — بأن الولايات المتحدة قادرة ومستعدة لاتخاذ عمل عسكري حاسم ضد أي طرف يجرؤ على إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره منذ فترة طويلة جزء كبير من نفط العالم وسلع حيوية أخرى.
حتى وقت قريب، كانت شبكة القواعد الأميركية المحيطة بإيران تمنح قادتها كل الأسباب للاعتقاد بأنهم سيتعرضون لتفوق عسكري ساحق إذا تحركوا للسيطرة على المضيق.
لكن النظام الإيراني لا يزال قائماً، حتى بعد أن نجحت الهجمات الأميركية والإسرائيلية في قتل قيادات إيرانية بارزة، في حين تمكنت الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة الإيرانية من تجاوز الدفاعات الجوية الأميركية وتعطيل عدد كبير من المنشآت الأميركية.
وفي مارس، وبعد أقل من أسبوعين على بدء القتال، أحصت صحيفة «نيويورك تايمز» 17 قاعدة ومنشأة للدفاع الجوي ومرفقاً دبلوماسياً أميركياً تعرضت للهجوم.
وكان من بينها بعض أهم نقاط الانطلاق العسكرية الأميركية، مثل مقر الأسطول الخامس في البحرين، وقاعدة علي السالم الجوية، ومعسكر عريفجان، ومعسكر بورينغ في الكويت.
وكان تأثير هذه الخسائر على العمليات الأميركية شبه فوري.
فأحد الأسباب الرئيسية التي جعلت إدارة ترمب لا تصعد عسكرياً ضد إيران خلال الصيف، رغم تهديداتها المتكررة، كان فقدان قاعدة البحرين، التي اعتمدت عليها البحرية الأميركية لعقود في إعادة تزويد السفن العاملة في الشرق الأوسط بالإمدادات.
وبدلاً من ذلك، اضطر ما يسمى «الذيل اللوجستي» للعمليات البحرية الأميركية إلى الامتداد حتى دييغو غارسيا، الجزيرة الخاضعة للسيطرة البريطانية في المحيط الهندي، على بعد أكثر من ألفي ميل من مضيق هرمز.
وتؤدي تعقيدات الإمداد إلى زيادة التكاليف، وخفض الكفاءة التشغيلية، وزيادة الضغط على العسكريين.
كما أسهم اضطراب الإمدادات في إطالة انتشار حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، وهو ما أدى بدوره إلى تراجع الروح المعنوية.
وبحسب صحيفة «ستارز أند سترايبس»، خشيت عائلات أفراد طاقم الحاملة من أن تؤدي الأشهر الطويلة في البحر إلى مشكلات خطيرة في الصحة النفسية.
وفي الوقت الراهن، وربما لفترة أطول، تُركت القواعد التي أخرجتها الهجمات الإيرانية من الخدمة إلى حد كبير كمواقع تشغيلية، بسبب استمرار الخطر على الأفراد والمعدات الأميركية.
وخلال اجتماع داخلي حديث، وفق ما أوردته «نافي تايمز»، سأل أحد العسكريين الأدميرال داريل كودل عن إمكانية استعادة الأغراض الشخصية من قاعدة البحرين.
فأجاب كودل: «لن نعود إلى هناك في أي وقت قريب. أريد فقط أن أكون صريحاً تماماً في هذا الشأن».
وبلغ ضعف المنشآت الأميركية القريبة من إيران، وارتفاع التكلفة المحتملة لإصلاحها، حداً دفع مسؤولين في الإدارة، بحسب ما أوردته «واشنطن بوست» الشهر الماضي، إلى التفكير في عدم إعادة بنائها أصلاً.
ويمكن تصوير الوضع على أنه «فرصة تأتي مرة واحدة في الجيل لكي يعيد البنتاغون النظر في وجوده» في منطقة الخليج، كما قالت الصحيفة.
لكن الحقيقة الأساسية، وفق الكاتب، هي أن الجيش الأميركي غير قادر حالياً على الدفاع عن منشآت رئيسية حتى في مواجهة خصم أقل تطوراً تكنولوجياً مثل إيران.
ويؤدي تراجع القوة الأميركية إلى سلسلة من التداعيات.
فللحفاظ على مجهودها العسكري ضد إيران، اضطرت الولايات المتحدة إلى سحب معدات حيوية من غرب المحيط الهادئ.
وفي الشهر الماضي، أنهت إدارة ترمب أخيراً مهمة «أبراهام لينكولن»، وحلت محلها في بحر العرب حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن»، التي تتمركز عادة في اليابان.
ومهمتها المعتادة هي ردع الصين عن القيام بعمل عسكري، وهو ردع أصبح الآن أضعف كثيراً.
وتؤكد هذه الخطوة الاضطرارية أن الموارد العسكرية الأميركية، مهما بدت هائلة مقارنة بمعظم الدول الأخرى، ليست بلا حدود.
فالحرب مع إيران استنزفت مخزونات بعض أهم الأسلحة الأميركية وأكثرها تقدماً.
وبحلول نهاية أبريل، كانت حتى التقديرات المتحفظة تشير إلى أن الولايات المتحدة أصبحت تعاني نقصاً خطيراً في ذخائر منظومة «ثاد»، وصواريخ باتريوت الاعتراضية، وصواريخ توماهوك المجنحة.
ومنذ ذلك الحين تفاقمت هذه النواقص.
وعلى مدى سنوات، ركزت الولايات المتحدة على بناء ما يسمى الأنظمة «فائقة التطور»، وهي أسلحة متقدمة تُنتج بأعداد محدودة وبتكلفة مرتفعة للوحدة الواحدة.
وكان هذا النهج جزئياً تكيفاً مع «الحرب على الإرهاب» بعد هجمات 11 سبتمبر، حين ركزت القوات الأميركية على مكافحة التمرد، وقاتلت خصوماً يفتقرون إلى القدرة على شن هجمات خطيرة ومستمرة على منظومات الإمداد الأميركية.
وفي تلك الظروف، بنى البنتاغون مجموعة واسعة من أنواع الذخائر، لكنه لم يبنِ مخزونات ضخمة منها.
وبمعدلات الإنتاج الحالية، ستحتاج الولايات المتحدة إلى عدة سنوات لإعادة مخزوناتها إلى المستويات التي كانت عليها عندما بدأ ترمب الحرب في فبراير.
وحتى تلك المستويات، عند النظر إليها الآن، تبدو ضعيفة للغاية للحفاظ على المكانة العالمية التي تمتعت بها الولايات المتحدة طويلاً في ظل التحول نحو الطائرات المسيّرة الدقيقة المُنتجة بأعداد كبيرة.
إن تراجع التفوق الصناعي الأميركي قصة قديمة، لكنه عنصر أساسي لفهم نهاية العصر الأميركي.
فقد كانت الولايات المتحدة في الماضي قادرة على التفوق في الإنتاج على القوى الأخرى عبر الاستفادة من قطاعها المدني.
وخلال الحرب العالمية الثانية، أعاد الأميركيون توجيه صناعة السيارات لإنتاج الطائرات.
أما اليوم، فإن الولايات المتحدة تكاد لا تنتج سفناً مدنية مقارنة ببقية العالم.
وفي المقابل، تنتج الصين نحو 50% من سفن العالم وتسيطر على نحو 80% من صناعة الطائرات المسيّرة عالمياً.
وبعد أن بنت الولايات المتحدة جيشها للانتصار في مواجهة قصيرة وعالية الكثافة، فإنها ببساطة تفتقر إلى المعدات والمخزونات والقوات التي حصلت على الراحة الكافية لخوض مواجهة ممتدة مع الصين.
وفي الماضي، كان بإمكان الولايات المتحدة الاعتماد على حلفائها لتضخيم قوتها.
فالدول التي شاركت واشنطن قيمها، أو على الأقل مصالحها، استضافت قواعد، وقدمت دعماً دبلوماسياً للمبادرات الأميركية، وتبادلت المعلومات الاستخباراتية، وأرسلت قوات ومعدات لدعم عمليات عسكرية تقودها الولايات المتحدة.
واليوم، يمتلك الحلفاء التقليديون قدرات تحتاجها الولايات المتحدة بشدة.
فعلى سبيل المثال، تحتل اليابان وكوريا الجنوبية المرتبتين الثانية والثالثة عالمياً في صناعة السفن.
لكن بدلاً من إدراك أن الولايات المتحدة بحاجة إلى حلفائها أكثر من أي وقت مضى، تنظر الإدارة الحالية إلى الحكومات التي اتبعت القيادة الأميركية لعقود باعتبارها مستفيدة مجاناً أو مصدر إزعاج أو حتى عائقاً.
ومؤخراً، انتقد الرئيس ترمب كوريا الجنوبية، وأشاد بما وصفه بعلاقته الرائعة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.
ويأتي ذلك رغم أن الكوريتين لا تزالان تقنياً في حالة حرب، وأن كوريا الشمالية تملك أسلحة نووية يمكنها تدمير جارتها الجنوبية وربما تهديد حلفاء أميركيين آخرين أبعد جغرافياً.
وفي أوروبا، ابتعدت الحكومة الأميركية عن الديمقراطيات الحليفة منذ فترة طويلة، واقتربت أكثر من نظام فلاديمير بوتين في روسيا.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، قلّص ترمب الدور الأميركي في توفير الأمن لأوروبا.
وفي وقت سابق من هذا العام، أعلن البنتاغون خططاً لسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، كما بدأت الإدارة مراجعة للانتشار الدفاعي تشير إلى مزيد من التخفيضات.
ولا تخفي الولايات المتحدة هدفها المتمثل في نقل قدر متزايد من مسؤولية الدفاع عن أوروبا إلى الأوروبيين أنفسهم.
ويأخذ القادة الأوروبيون هذه الخطوات على محمل الجد، ويضعون خططاً لتقليل اعتمادهم على الولايات المتحدة.
وتدرس ألمانيا ما إذا كانت ستساعد بريطانيا في تحديث أسلحتها النووية، حتى تمتلك أوروبا قوة ردع نووي إذا انسحبت الولايات المتحدة.
كما بدأت الولايات المتحدة في تنفير كندا.
فقد تحدث ترمب مراراً عن رغبته في ضم كندا باعتبارها الولاية الأميركية الحادية والخمسين.
وأطلق أيضاً حرباً تجارية قال بنفسه إنها ستكون «مدمرة» للاقتصاد الكندي.
وقد انتخب الأميركيون الآن مرتين رئيساً يسعى علناً إلى إعادة صياغة التحالفات التقليدية باعتبارها علاقات صفرية، ينبغي للولايات المتحدة أن تفعل فيها أقل، وعلى شركائها السابقين أن يفعلوا أكثر.
وقد يخلص قادة وناخبو هذه الدول، بصورة مفهومة، إلى أن الأميركيين إما لا يعرفون أو لا يهتمون بما يتخلون عنه.
استفاد الأميركيون طويلاً من التكامل السلمي مع كندا.
كما تمكنت الولايات المتحدة من خوض الحرب مع إيران جزئياً بسبب شبكة قواعدها الكبيرة في أوروبا.
ومن شأن إضعاف التحالفات القديمة أن يلحق ضرراً بالغاً بالمكانة العالمية للولايات المتحدة.
وبدأت دول أخرى بالفعل في التكيف مع ما انكشف حديثاً من نقاط ضعف أميركية.
فقد وقعت باكستان وتركيا والسعودية، وجميعها شركاء قدامى للولايات المتحدة، اتفاقاً دفاعياً خاصاً بها مؤخراً.
ومع ممارسة إيران السيطرة على مضيق هرمز، بدأت عُمان، الواقعة على الضفة المقابلة من المضيق، تتجه تدريجياً نحو تعاون أوثق مع طهران.
كما تتواصل دول خليجية أخرى مع إيران.
وحتى السعودية، التي بنت أمنها لعقود على شراء كميات ضخمة من الأسلحة الأميركية واستضافة قوات أميركية، تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم خياراتها بعدما أبلغ ترمب قائدها الفعلي أن الولايات المتحدة لن تساعد المملكة في حربها مع الحوثيين.
وفي الوقت نفسه، تعمل كوريا الجنوبية على تحسين علاقاتها مع الصين، فيما تفكر الدول الأوروبية بشكل متزايد في إنشاء إطار دفاعي أوروبي شامل.
ويرى الكاتب أن كل هذه مؤشرات قوية على أن دول العالم تفقد الثقة في قدرات الولايات المتحدة وفي نواياها أيضاً.
ولسوء حظ الولايات المتحدة، تبدو الإدارة أكثر اهتماماً بإخفاء المشكلات من إصلاحها.
فقد أجبرت وزارة الدفاع موظفين بارزين في صحيفة «ستارز أند سترايبس» على مغادرة مناصبهم، وطالبت، في إطار تحقيق بشأن تسريبات تتعلق بنقص الذخائر ومسائل أخرى، بأن يخضع بعض موظفي البنتاغون لاختبارات كشف الكذب.
وحتى لو حاولت الولايات المتحدة العودة إلى جزء من أسلوبها السابق في إدارة شؤونها، فإن الأحداث الأخيرة تشير إلى أن نطاق نفوذها العالمي سيتراجع.
ومن الصعب التنبؤ بكيفية تكيف بقية العالم مع هذا التغيير.
وقد لا يؤدي انتهاء العصر الأميركي إلى هيمنة صينية، لأن الصين لديها مشكلاتها الخاصة، ولأن دولاً آسيوية أخرى، مثل الهند، تنمو بما يسمح لها بموازنة القوة الصينية.
ومن الممكن أيضاً أن تستفيد الدول الديمقراطية إذا اهتمت بالدفاع عن نفسها بصورة أكبر، بدلاً من الاعتماد على الحماية الأميركية.
لكن العالم قد يشهد كذلك مرحلة شديدة الفوضى من الحروب والمنافسات.
كل القوى العظمى السابقة في التاريخ تراجعت في نهاية المطاف.
وكان صعود شرق آسيا باعتباره مركزاً للإنتاج الاقتصادي العالمي سيؤدي حتماً إلى تقليص النفوذ الأميركي.
ونادراً ما يكون الانتقال من عصر عالمي إلى آخر واضحاً في لحظته.
فعندما غزت روسيا أوكرانيا قبل أربعة أعوام ونصف، لم تكن بعدُ قد اتضحت الإمكانات التي توفرها الطائرات المسيّرة المُنتجة بكميات ضخمة.
وحتى فبراير الماضي، لم يكن سوى قلة من الخبراء يتوقعون أن تجد الولايات المتحدة — التي كانت قوة عالمية عملاقة لأكثر من 80 عاماً — نفسها مقيدة إلى هذا الحد بسبب إيران.
لكن هذا الصراع يكشف أمراً مهماً، وفق الكاتب:
العصر الأميركي وصل إلى نهايته.
فلا يمكن للهيمنة العالمية الأميركية أن تستمر من دون مصادر القوة التي صنعتها في الأصل. عرض أقل