تقارير وتحقيقات

نرجسية “القائد الكوني” في كادرات فيلم “أمريكي” هابط

كتب:هاني الكنيسي
في ليلة واحدة، حول دونالد ترامب الإنترنت إلى استوديو سينمائي خاص به. لم يعد الرئيس الأمريكي يكتفي بالكلمات؛ فأغرق الإنترنت بسيل من الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيها قائداً عسكرياً يدمر أهدافاً إيرانية، وبطلاً كونياً يحكم الأرض والفضاء، وحتى وريثاً تاريخياً يقف كتفًا لكتف مع الآباء المؤسسين للولايات المتحدة.
نشر ترمب نحو 16 صورة في ساعات قليلة، تحمل رسالة واحدة متكررة: القوة الأمريكية المطلقة، والانتصار الساحق على الأعداء، وشعار “ترامب 2028” الذي يلوح في كل كادر.
في صورة “حراس العالم” World Guardians، يظهر البرتقالي عملاقاً في الأفق خلف طائرات مقاتلة شبحية أمريكية، بينما تنفجر أهداف تحمل اسم إيران تحت قدميه وسفن حربية تغرق في البحر.
واستمر هذا الخط السردي في لقطة “الهجوم على خرج (أو خارك كما تُكتب في بعض المصادر)” Kharg Attack، التي جسدت غارة جوية على الجزيرة الإيرانية الاستراتيجية بمضيق هرمز، وسط كرات نارية ودخان كثيف، وصولاً إلى لقطة “هذه ناقلة النفط الخاصة بنا!” This Is Our Tanker! التي ظهر فيها “القائد” ترمب معتليًا سطح سفينة إيرانية ومحاطاً بجنوده الملوّحين بالعلم الأمريكي. وتكتمل سلسلة المشاهد الدرامية بناقلة نفط تشتعل النيران في مؤخرتها، مرفقة بتعليق “لا مزيد من المحركات” No More Engines.
خيال ترمب الاصطناعي لم يتوقف عند حدود ساحات الوغى ضد إيران. فدلف إلى عالم الخيال العلمي بصورة “القائد الكوني” Cosmic Commander، الذي يهيمن على الكرة الأرضية محاطاً بسفن فضائية، ثم يسير عبر غابة مظلمة بين جنود بعيون حمراء مع تعليق “أعطِ العدو كوابيس” Give the Enemy Nightmares.
الأنكى من ذلك، أنه أقحم نفسه في مصاف الزعماء التاريخيين لأميركا أو ما يُطلق عليهم “الآباء المؤسسين”، مثل’ جورج واشنطن’، و’توماس جيفرسون’، و’ألكسندر هاميلتون’، مضيفًا إلي الصورة الافتراضية شعار “أمريكا أولاً”.
وهو ما بدا مشهدًا هزليًا، دفع أحد المعلقين إلى السخرية من صورة يُفترض أن ترمب ينقذ فيها واشنطن من السقوط من “جبل رشمور” Mount Rushmore بالقول إنه يبدو في الواقع و”كأنها اللحظة التي يتركه فيها ليسقط من الجبل”!!
وكالعادة، لم يفوّت الرئيس الموتور الفرصة دون أن يوظف كادرات الذكاء الاصطناعي في السخرية من خصومه “المشاهير”، خصوصًا مقدمي برامج ‘التوك شو’ الليلية الفكاهية؛ مثل ‘ستيفن كولبير’ Stephen Colbert، و’جيمي كيميل’ Jimmy Kimmel (اللذين تخصصا في التهكم من تصرفاته وطريقة كلامه).
ليس هذا فحسب، بل إن ترمب وظّف الذكاء الاصطناعي في منشوراته المصوّرة ليصنع عالماً بصرياً يطابق أحلام اليقظة المختمرة في عقله الباطن. فرسم في إحدى اللقطات، متحفا خياليًا يضم تمثالاً له يلقي بقبعة حمراء كُتب عليها “ترامب 2028″، شبيهة بتلك التي اعتمرها فعليًا في حفل عشاء الصحافة الأخير وأثارت جدلا إعلاميا وسياسيًا بعدما تجاوز تفسيرها “النكتة” إلى ما اعتبره عديدون تلميحًا صريحا إلى طموحات بفترة رئاسية ثالثة “غير دستورية”.
من منظور نفسي علمي بحت، يعكس هذا “الهوس” بخلق صور مثالية عن الذات نمطاً كلاسيكياً مما تطلق عليه نظريات علم النفس الحديث “النرجسية المفرطة” Grandiose Narcissism، والتي تتضح سماتها “المرضية” في نموذج الشخصية النرجسية لدى علماء التحليل النفسي مثل ‘ أوتو كيرنبرغ’ Kernberg و’ جين توينج’ Twenge، اللذين شرحا باستفاضة كيف يلجأ الأشخاص ذوو السمات النرجسية المفرطة إلى “تشكيل واقع افتراضي يعزز شعورهم بالعظمة، خاصة عند مواجهة تهديدات خارجية أو ضغوط سياسية”.
والحقيقة أن عاصفة الصور الاصطناعية الأخيرة التي أغرق بها الرئيس الأمريكي النرجسي منصات التواصل الاجتماعي سوى حلقة جديدة في مسلسل أدمن فيه تطويع الخيال الافتراضي لخدمة سرديته “السياسية”، ولصنع “هالة درامية”؛ خيالية في ظاهرها لكنها مريضة في جوهر أفكارها.
والأمثلة السابقة عديدة ومتنوعة، بدايةً من الفيلم الترويجي الهزلي بتقنية الـAI الذي حوّل غزة المدمرة في حرب الإبادة الإسرائيلية إلى “منتجع الريفييرا الفلسطيني” بعلامة Trump الشهيرة (الذي ظهر في أحد لقطاته جالسًا بجور ربيبه النتنياهو يلتهمان الآيس كريم، في رداء السباحة على شاطئ تزينه الأبراج الزجاجية وتؤنسه الحفلات الصاخبة)، وليس انتهاءً بتلك الصور والفيديوهات الافتراضية التي أغرق بها السوشيال ميديا أثناء خصومته العلنية مع بابا الفاتيكان (إثر استنكاره صلاة وزير الحرب ‘بيت هيغسيث’ من أجل إبادة الأعداء، ومقتبساً آيات إنجيلية تؤكد أن الرب لا يتقبل صلوات قادة الحروب)، فظهر البرتقالي مرتدياً الرداء البابوي بطريقة هزلية في بعضها، وفي دور” شبه إلهي” يمد يده ليشفي “العالم المريض” في أخرى، دون أي احترام للرموز الدينية.
لكن اللافت هذه المرة أن “كادرات” ترمب السينمائية التاي تظهر جبروته في مواجهة العدو الإيراني، تزامنت مع تقارير أمريكية متواترة عن مراجعات داخل الإدارة لخيارات التصعيد العسكري، في ضوء تحذيرات من استنزاف الدفاعات الجوية الأمريكية، وبالأخص التراجع الحاد في مخزون صواريخ ‘باتريوت’ الاعتراضية (حسب تقرير ‘نيويورك تايمز’ الأخير).
لم يصدر البيت الأبيض تعليقاً رسمياً، لكن المنشورات الأخيرة أثارت انقساماً حاداً بين أنصاره الذين رأوا فيها “رسالة قوة” مطلوبة في هذا التوقيت الحساس (خارجيًا وداخليًا)، ومنتقديه الذين سخروا من عالمه الخيالي المحصور في “قوقعة” غباء اصطناعي، أضحكت العالم على ترمب المنتصر “فقط” في أفلامه الهابطة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى