الأيادي الأوكرانية “غير البيضاء” في العراق .. بين حسابات روسيا وإيران والموساد وتشابكات الإقليم

كتب:هاني الكنيسي
بمحض صدفة، أو بترتيب مسبق، يستقبل البيت الأبيض اليوم كلا من رئيس الوزراء الإسرائيلي (‘بيبي’ كما يناديه ترمب) والرئيس الأوكراني ‘فولوديمير زيلينسكي’ (الذي يجد ترمب صعوبة في لفظ اسمه بطريقة سليمة، ويكرر وصفه بأنه “أعظم مندوب مبيعات في التاريخ” The greatest salesman in history).
ورغم أن اللقاءين المرتقبين مع الرئيس الأمريكي منفصلان، ولكل منهما أجندته المعلنة والسرية، فقد كان لافتًا اهتمام الإعلام الأمريكي بتزامن الزيارتين وطرح تساؤلات “خبيثة” عما إذا كان الحليفان (الصهيونيان) سيجدان فرصة للقاء مباشر بينهما (على هامش حضورهما جنازة السيناتور الصهيوني ‘ليندسي غراهام’ اليوم، وسط تقارير صحفية غربية وإسرائيلية عن توثيق التعاون الأمني “السري” بين كييف وتل أبيب، في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، وتوتر العلاقات مع إيران، وتداخل الملفات في الشرق الأوسط.
فتحدثت صحيفة ‘واشنطن بوست’ ومجلة ‘بوليتيكو’ الأمريكيتين صراحةً بشأن “تعاون عملياتي غير معلن” بين أوكرانيا وإسرائيل، يشمل تبادل معلومات استخباراتية حول نشاطات إيران في المنطقة، ودعم كييف في تطوير مسيّراتها، مقابل حصول تل أبيب على بيانات ميدانية من الجبهة الأوكرانية حول المسيّرات الإيرانية التي تستخدمها روسيا.
والحقيقة أن كل هذه الديباجة ليس لها علاقة “مباشرة” بموضوع البوست، إلا إذا قرأه المتابع (الفطِن) في إطار أوسع لا يبتعد كثيرًا عن وساوس “نظرية المؤامرة”.
إذ ألقى مستشار الأمن القومي العراقي قاسم العبودي بمفاجأة -غير مسبوقة- عندما كشف في مقابلة تلفزيونية، عن “اعتقال مجموعات تعمل لصالح الاستخبارات الأوكرانية داخل الأراضي العراقية”، بعد تعقبهم لأيام وتحليل بيانات وصفها بأنها “حاسمة” في إثبات تورطهم في تنفيذ عمليات قصف استهدفت منشآت حكومية عراقية.
التصريح أو الاتهام، الذي ورد -أمس الإثنين- في برنامج “حوار مع زينب ربيع” على قناة ‘دجلة’ العراقية، أثار جدلا إعلاميًا واسعًا تجاوز حدود العراق، وفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول طبيعة نشاط هذه الخلايا الأوكرانية، ودوافعها، وتوقيت ظهورها، خصوصاً في ظل التوتر المتصاعد بين أوكرانيا وطهران نتيجة الهجوم الذي تعرضت له سفينة إيرانية بطائرة مسيّرة في بحر قزوين قبل يومين، وأسفر عن مقتل أحد بحارتها وإصابة آخرين. وهو ما تسبب في نشوب أزمة دبلوماسية بين البلدين، وإصدار الخارجية الإيرانية بيان تنديد شديد اللهجة، وصف الهجوم بأنه “تصعيد خطير يتطلب الرد”، فيما لم يصدر تعليق رسمي من كييف.
العبودي قال نصًا إن “خلية استخبارية متخصصة في التحليل توصلت إلى مؤشرات وأدلة تؤكد وجود تدخل أوكراني في الشأن العراقي”، مضيفاً: “ألقينا القبض على مجموعات محدودة نفذت عمليات قصف داخل الأراضي العراقية واستهدفت عدداً من المنشآت، وبعد التحقيق معهم اعترفوا بأنهم يعملون لصالح أوكرانيا”.
لكن المستشار الأمني لم يحدد هوية المنشآت المستهدفة ولا مواقعها، مكتفياً بالإشارة إلى أن العمليات “وقعت داخل الأراضي العراقية”، وأن الملف “معقد ويحتاج إلى الكثير من التحقيق قبل توجيه الاتهامات بشكل قاطع”.
وحتى اللحظة، لم تصدر الحكومة العراقية بياناً رسمياً يوضح ملابسات القضية، كما لم تعلّق كييف على الاتهامات، ما نقل التصريحات وتحليلاتها بسرعة البرق إلى منصات التواصل الاجتماعي، وتصاعدت التكهنات حول ارتباط هذه الخلايا بتصاعد المواجهة بين أوكرانيا وإيران (حليفة روسيا).
صحيفة ‘المدى’ العراقية نقلت عن مصدر أمني قوله إن “التحقيقات الأولية تشير إلى أن الخلايا كانت تتحرك بطريقة احترافية، وتستخدم معدات اتصال غير محلية”، بينما ذكرت قناة ‘السومرية’ أن بعض المعتقلين “دخلوا العراق عبر منافذ غير رسمية”.
وبالتوازي، أعلنت وزارة الدفاع السعودية -أمس الاثنين- اعتراض وتدمير طائرات مسيّرة قادمة من العراق “كانت تستهدف منشآت بترولية في المنطقة الشرقية والرياض”. وقال المتحدث باسم الوزارة اللواء تركي المالكي إن “هذه المحاولات الإرهابية انطلقت من الأراضي العراقية، ونفذتها ميليشيات إرهابية تابعة لإيران”، مؤكداً أن المملكة “سترد في الوقت والمكان المناسبين”.
بينما أمر قائد الجيش العراقي بفتح تحقيق عاجل حول ما ورد في بيان الرياض، في خطوة تعكس حساسية الاتهامات وتداخلها مع ملفات أمنية وسياسية معقدة داخل العراق.
الربط بين نشاط خلايا أوكرانية داخل العراق وبين هجمات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية نحو السعودية ليس مؤكداً بعد.
إلا أن السياق الإقليمي المضطرب دفع محللين عراقيين إلى الربط بين نشاط الخلايا التي تحدث عنها العبودي وبين محاولة أوكرانية لتوسيع نطاق الضغط على إيران عبر استهداف مصالحها أو حلفائها في المنطقة.
ولا يبتعد عن هذا الخط “التحليلي”، تقارير الإعلام الغربي، مثل صحيفة ‘واشنطن بوست’، التي ذكرت في تحقيق سابق أن كييف تدرس “خيارات غير تقليدية” للضغط على إيران المتهمة بالتحالف مع روسيا. فيما أشارت ‘فايننشال تايمز’ إلى أن أوكرانيا كثفت مؤخراً عملياتها الخارجية ضد أهداف مرتبطة بإيران بسبب الدعم العسكري الروسي، مما جعل العراق، في ظل تعدد جهاته المسلحة وتداخل دوائر نفوذه، مسرحاً مفتوحاً لتصفية “حسابات خارجية”.
كما خلص تقرير لمركز ‘تشاتام هاوس’ Chatham House البريطاني إلى أن العراق أصبح “ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية”، وأن أي اختراق أمني يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة سياسية.
وبغض النظر عن مدى دقة تصريحات قاسم العبودي “التلفزيونية”، فالمؤكد أن توقيتها يحمل في طياته دلالات لافتة. فالعراق يقف على خط تماس دقيق بين قوى متصارعة، وتتشابك داخله حسابات الفصائل المسلحة وعوامل النزاع الطائفي، ما بين الضغوط الأمريكية، والحساسيات الإيرانية، فضلا عن مخاوف بغداد “الوجيهة” من تمدد صراعات الخارج إلى الداخل.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى اتهام “خلايا أوكرانية” من زاويتين أساسيتين: الأولى أمنية؛ تتمثل في حرص بغداد على الظهور بمظهر الدولة القادرة على رصد أي نشاط خارجي داخل أراضيها وحماية حدودها من الاختراقات (خصوصًا بعد التسريبات السابقة عن إنشاء قاعدتين إسرائيليتين على أرض كردستان العراقية استخدمتا في شن هجمات على إيران). والثانية سياسية أو جيوسياسية؛ ترتبط بأجندة أوكرانيا في لحظة توتر حاد بين طهران وكييف ومحاولات للضغط على حلفاء روسيا، وتزامنًا مع تقارير متواترة عن علاقات تعاون “سرية” بين الموساد الإسرائيلي والاستخبارات الأوكرانية.