
في أحاديث فضائية عديدة، راهنت علي عدم تجدد القتال بنمط الحرب الشاملة التي شهدناها في المرتين السابقتين سواء في يونيو من العام الماضي او مارس من هذا العام، فقد بدا واضحا للجميع أنه بدون التحول لحرب برية فلن يكون هناك تغيير جوهري في مجريات ونتائج الصراع، والحرب البرية بدت بديلا مستحيلا بالنسبة لترمب لاعتبارات ومخاطر وتحديات عديدة، لذا فإن قرار ترمب المفاجئ الجديد بوقف العمليات العسكرية يعد تطورا مهما وكاشفا في إتجاه فشل البديل الآخر للحرب الشاملة او الغزو البري وهو أسلوب الضربات الانتقائية المحدودة وإستهداف الرادرات وبطاريات الصواريخ الساحلية والبنية التحتية والجسور ومحطات الطاقة والمياه وغيرها، بعد أن ثبت بعد مرور قرابة الاسبوعين من إستخدام هذا النمط الجديد من العدوان الامريكي عدم فاعليته في تغيير السلوك والقرار الايراني، او احداث التأثير المطلوب لإجبارها علي اعادة فتح المضيق، او شل القدرات الايرانبة علي الرد، بالعكس لقد اصبحت الهجمات الايرانية اكثر دقة وايلاما، كما وصل المخزون الامريكي من الذخائر لمستوي ينذر بالخطر، وإستمر عزوف دول الخليج عن المشاركة الفعلية والكاملة في الصراع، وإستمر أيضا غياب أي تحالف دولي فعال وحقيقي لدعم ترمب في حربه العدوانية أو حتي لفتح المضيق …
ترمب منقسم تماما بين نرجسيته التي تدفعه للاصرار علي نصر ساحق وواقعيته وإنصياعه لحقائق وتقديرات الموقف إستراتيجيا وسياسيا وعسكريا كما أصبحت تراها عديد الجهات وفي مقدمتها القيادة المركزية التي تدير الحرب
قرار التوقف الامريكي الذي بادلته إيران بتوقف مماثل يعيد للواجهة تعريف النصر والهزيمة، فأمريكا لم تنتصر ( بل هي الخاسر الأكبر إستراتيجيا كونها القوة الاكبر والاعظم وعجزت مع ذلك عن فرض ارادتها في كل الملفات تقريبا )، وإيران لم تنهزم ( بل يمكن إعتبارها رابحة إستراتيجيا )، والطرفان ( ومعهما الخليج والعالم ) خسرا الكثير، والقرار يدشن مرحلة جديدة تفسح المجال لنشاطات وجهود وساطة متجددة ربما تكون هذه المرة عمانية بالنظر لمشاركتها مع إيران في التحكم بالمضيق وخبرتها العريضة بهذا الملف، بالاضافة للوسطاء الاخرين كباكستان وقطر، وربما يكون هناك دور مهم تلعبه الصين بهدوء حال وصلت القيادة الصينية لقناعة ان طرفي الصراع قد أنهكا بما يكفي لإبداء الاستعداد لتقبل حلول وسط ترتكز علي ضمانات ربما تكون الصين هي الدولة الاقدر علي تقديمها حاليا وفي المستقبل
مخرجات الوساطة وأي تفاوض مستقبلي يجب أن تتلافي الغموض المتعمد في بنود الاتفاق الماضي والذي نتج عنه التوقف السابق الذي لم يصمد طويلا، كما أنه لابد وأن يتضمن إستجابة للحد الادني من المطالب الايرانية وعلي رأسها الانهاء الدائم للقتال والقبول بقدر من التحكم الايراني في المضيق كورقة إستراتيجية لن تتنازل عنها إيران بعد أن ثبت أنها ورقة ردع إستراتيجي تكاد تضاهي السلاح النووي !