إدريس آيات يكتب :كيف تحاول الإمارات استنساخ نموذج الحرب الأهلية السودانية في جمهورية النيجر؟

برزت، خلال الفترة الأخيرة، معلومات عن تسلل عدد من الأشخاص المرتبطين بالحرب الأهلية السودانية إلى داخل الأراضي النيجرية، عبر المسار الحدودي الممتد من السودان إلى تشاد، ثم من تشاد إلى منطقة ديفا الواقعة شرق النيجر. وتشير هذه الرواية إلى أن بعض هؤلاء من العناصر المتهمة بالمشاركة في الانتهاكات التي شهدتها الحرب السودانية، وأن دخولهم تزامن مع مرحلة الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، والخسائر التي تكبدتها مؤخرًا أمام الجيش السوداني.
وعلى إثر ذلك، بدأت السلطات النيجرية تطلب الوثائق الثبوتية للتحقق من هوية الموجودين في تلك المناطق، غير أن بعض الأهالي رفضوا إبرازها، وبدأت تُطرح رواية مفادها أن المكوّن العربي يتعرض للاستهداف. وقد أثار هذا الطرح استغراب السلطات، إذ إن جزءًا كبيرًا من عرب تشاد المقيمين في منطقة ديفا -شرق البلاد- لجؤوا إلى النيجر خلال حقبة الرئيس التشادي حسين حبري، واستقبلتهم دولة النيجر ومنحت كثيرًا منهم الجنسية. فكيف تُتهم الدولة التي آوتهم وجنّستهم، اليوم، بأنها تستهدفهم؟ ولو كانت ترغب في استهدافهم، لما فتحت لهم أبوابها منذ البداية. كما يجدر التذكير بأن النيجر، منذ ظهور تهديد جماعة بوكو حرام الإرهابية، اعتمدت إجراءات صارمة لإصدار الوثائق الثبوتية لجميع المواطنين، باعتبارها ضرورة أمنية لتمييز المواطنين عن عناصر التنظيمات الإرهابية، دون تمييز بين مكونات المجتمع.
ولهذا، فإن المنصات التي تدعمها الإمارات، وتلك التي تتحدث باسم النيجر، بل وحتى بعض العناوين التي نشرتها قناة “سكاي نيوز”، تروّج – في تقديري – رواية مضللة عن عمد؛ لأن مجرد إبراز الوثائق الثبوتية كفيل بكشف المتسللين الذين لا يحملون الجنسية النيجرية، ومن بينهم، أشخاص متهمون بارتكاب جرائم حرب في السودان، بما في ذلك الانتهاكات التي شهدتها مدينتا الفاشر والجنينة وغيرهما.
من هنا، يصبح استدعاء خطاب المكوّن واللعب على وتر العنصرية وسيلة للضغط وكسب التعاطف. فكما جرى، توظيف ورقة “الإسلاميين” في السودان من الإعلام الإماراتي وأذرعه، في الوقت الذي انتهى فيه الذهب السوداني إلى دبي عبر قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو؛ حميدتي، يُعاد اليوم، وفق الرواية نفسها، استخدام الأسلوب ذاته في النيجر.
فبعد أن أنهت النيجر الوجود الفرنسي، وأصبحت فرنسا أكثر تقاربًا مع الإمارات، لم يعد مقبولًا، في نظر هذا التحالف الثُنائي، أن تستفيد نيامي من ثروتها من اليورانيوم. وإذا اقتضى الأمر إدخال عناصر من الدعم السريع إلى داخل النيجر، وإخفاءهم بين عرب النيجر المسالمين، ثم اتهام الحكومة بالعنصرية كلما حاولت التحقق من هوياتهم وترحيلهم، فإن ذلك لا يعدو، في نظر كل متابع لبيب، كونه توظيفًا للكراهية ونشرًا لاتهامات مضللة لخدمة أجندات خارجية، ومنع النيجر من جني ثمار سيادتها على مواردها الطبيعية.
ومن هذا المنطلق، يلفت الانتباه أن قائد الميليشيا التي ظهرت قبل أيام تحت مسمى “الجبهة الوطنية للتحرير” كان محتجزًا في ليبيا، قبل أن يُطلق خليفة حفتر سراحه، مع أسلحة، ثم سُمح له بالتوجه إلى النيجر. وبعد أيام قليلة، ظهر مجددًا معلنًا حمل السلاح بدعوى “إعادة الديمقراطية” إلى البلاد.
ونحن نعلم جميعًا من يدعم خليفة حفتر، ومن هم أبرز حلفائه. فالرجل نفسه الذي وُجهت إليه اتهامات بتسهيل تدفق السلاح إلى قوات الدعم السريع خلال الحرب السودانية، بما ارتبط بها من انتهاكات وجرائم بحق المدنيين، هو ذاته الذي أطلق، سراح قائد الميليشيا التي عادت إلى الظهور قبل أيام، والتي تؤكد حكومة النيجر أنّ من بين عناصرها مئات من المنشقين أو المنتمين سابقًا إلى قوات الدعم السريع.
ومن هذا المنطلق، فإن الإجراءات التي اتخذتها السلطات النيجرية للتحقق من الوثائق الثبوتية، والتي صوّرتها بعض المنصات الإعلامية، وفي مقدمتها “سكاي نيوز”، على نحو مغاير، تهدف، إلى تجنب تكرار السيناريو الذي شهدته مدن سودانية، مثل الفاشر والجنينة، وما رافقها من انتهاكات مروعة، شملت، بحسب التقارير المتداولة، دفن مدنيين أحياء، وعمليات قتل ميداني، وتقييد الضحايا قبل تصفيتهم، إلى جانب استهداف المصلين في المساجد وحرق المدنيين والأسواق.
وقد يتساءل البعض: ما الدافع الإماراتي وراء ذلك؟ والواقع أن المشهد لا يمكن فصله عن جملة من التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة. فمنذ الإطاحة بالرئيس محمد بازوم، توقفت، عمليات تدفق المرتزقة من أبناء عمومة حميدتي من النيجر إلى السودان، كما أسهمت زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، يرافقه رئيس جهاز المخابرات السوداني، إلى النيجر، في تعزيز العلاقات بين البلدين.
وتزامن ذلك مع تقارب إماراتي–فرنسي في عدد من الملفات الإفريقية، وهو ما سبق أن تناولته في أكثر من مناسبة. كما تحدث عدد من الخبراء الفرنسيين، في مناسبات مختلفة، عن ضرورة تلقين النيجر درسًا بعد خسارة فرنسا امتيازاتها في اليورانيوم.
كما لفت انتباهي أنه، بالتزامن مع عودة التقارب بين النيجر والجزائر، بدأت حسابات ممولة من الإمارات في نشر شائعات تستهدف النيجر، ثم أُطلق سراح قائد تلك الميليشيا من قبل خليفة حفتر، أعقب ذلك استهداف مطار النيجر، قبل أن تعلن “الجبهة الوطنية للتحرير”، في بيانها الصادر قبل أيام، بدء عملياتها العسكرية بدعوى إعادة الديمقراطية إلى البلاد.
وما يؤسفني في كل ما سبق أن أول المتضررين من هذه التطورات سيكونون عرب النيجر المسالمون، إذ إن مناطقهم مرشحة لأن تصبح ساحة لاضطرابات لم تكن تعرفها من قبل، وهو ما سينعكس سلبًا على أمنهم، وتجارة أهلها، واستقرار مجتمعاتهم، بعدما ظلت هذه المناطق، لسنوات طويلة، من أكثر مناطق النيجر استقرارًا نسبيًا.
وأخشى أن يكون كثيرون ممن لم يستخلصوا العبرة من الحرب السودانية سيفاجؤون بتكرار السيناريو نفسه في أماكن أخرى، بدعم القوى الإقليمية ذاتها التي تقف وراء تنفيذ المشروع الذي أسهم في تغذية الإرهاب ونشر الجماعات المسلحة في القارة الإفريقية.
—-