رؤي ومقالات

محمد الحسيني يكتب :بين التصعيد والدبلوماسية .. قراءة في المشهد اليمني والإقليمي

لم يعد ما يجري في اليمن حدثاً معزولاً عن التحولات الإقليمية المتسارعة، فكل تصعيد عسكري على الأرض يقابله حراك سياسي وأمني يتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.

وبينما يواصل الحوثيون توسيع دائرة هجماتهم واستهدافهم للقوات الحكومية ومخيمات النازحين، تتشكل في المقابل ملامح ترتيبات إقليمية جديدة قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.

وفي خضم هذا المشهد المتشابك، تبرز أسئلة جوهرية حول دلالات توقيت التصعيد، وأهداف التحالفات الناشئة، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة ردع جماعي، أم أنها تقف على أعتاب جولة جديدة من الصراع وإعادة توزيع النفوذ.

ويشهد اليمن تصعيداً عسكرياً لافتاً تمثل في هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة نفذها الحوثيون واستهدفت معسكرات للقوات الحكومية ومخيمات للنازحين في محافظة مأرب، إلى جانب مواقع عسكرية في حضرموت، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وسط إدانات عربية واسعة وتعهدات حكومية بالرد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انهيار حالة الهدوء التي سادت خلال الفترة الماضية وعودة المواجهات إلى مستويات أكثر اتساعاً.

ولم يقتصر التصعيد على الداخل اليمني، بل امتد إلى الحدود السعودية عبر هجمات أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها، في رسالة تؤكد أن الجماعة لا تزال تسعى إلى فرض معادلات جديدة في الإقليم، بالتزامن مع تأكيد الحكومة اليمنية، خلال لقاءاتها مع المبعوث الأممي، أن هذا التصعيد يخدم أجندات إقليمية ويقوض فرص التهدئة والحل السياسي.

في المقابل، جاء هذا التصعيد متزامناً مع تحركات إقليمية مكثفة كان أبرزها اجتماع ثلاث قوى إقليمية في المملكة العربية السعودية وتوقيعها اتفاق مكة للتعاون الدفاعي المشترك، وهو تطور يطرح العديد من علامات الاستفهام حول أهداف هذا التقارب وحدود تأثيره في موازين القوى الإقليمية، وما إذا كان يمثل بداية لتشكيل منظومة ردع جماعية في مواجهة التحديات الأمنية التي تعيشها المنطقة.

ومن الطبيعي أن يبرز هنا سؤال حول موقف الولايات المتحدة من هذا التحالف. فمن المرجح أن تنظر واشنطن بإيجابية إلى أي تنسيق أمني يعزز قدرة حلفائها على حماية أمنهم الإقليمي ويحد من الحاجة إلى تدخل أمريكي مباشر، لكنها في الوقت ذاته ستسعى إلى الحفاظ على التوازن بين دعم شركائها وعدم تقويض أي تفاهمات أو مسارات تهدئة مع إيران، خصوصاً في ظل ما يتردد عن جهود ووساطات تهدف إلى خفض التصعيد وضمان أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.

أما مصر، فإن موقفها التقليدي يقوم على دعم أي جهد يعزز الأمن القومي العربي ويحافظ على أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب الانخراط في تحالفات قد تُفسر باعتبارها اصطفافات عسكرية مفتوحة، وهو ما يجعل موقفها من أي اتفاق دفاعي مرتبطاً بطبيعة أهدافه وآليات عمله ومدى انسجامه مع رؤيتها للاستقرار الإقليمي.

ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يمثل هذا التحالف جبهة موجهة ضد إيران؟ الواقع يشير إلى أن الإجابة ليست بهذه البساطة، فالدول المشاركة في أي ترتيبات إقليمية لا تتحرك جميعها وفق الحسابات نفسها.

فباكستان ترتبط بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع إيران، إضافة إلى حدود طويلة ومصالح مشتركة تجعلها حريصة على تجنب أي مواجهة مباشرة معها.

كما أن تركيا، رغم تنافسها مع إيران في عدد من الملفات الإقليمية، لا تزال تحتفظ معها بعلاقات اقتصادية وسياسية تجعل العلاقة بين البلدين مزيجاً من التعاون والمنافسة.

وحتى السعودية، التي شهدت علاقتها مع إيران سنوات من التوتر، دخلت خلال المرحلة الأخيرة في مسار لإعادة العلاقات الدبلوماسية وخفض مستوى التصعيد، مع استمرار الخلافات حول عدد من الملفات الإقليمية.

لذلك، فإن القراءة الأكثر واقعية تشير إلى أن هذا النوع من التحالفات لا يستهدف بالضرورة الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، بقدر ما يسعى إلى بناء قدرة دفاعية مشتركة وتعزيز التنسيق الأمني بين الدول المشاركة، مع الإبقاء على قنوات الحوار قائمة، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة الحالية التي تتداخل فيها مسارات التنافس والتفاهم في آن واحد.

وفي خضم هذه التطورات، تتقاطع التحركات العسكرية مع مؤشرات سياسية لا تقل أهمية، إذ تتحدث تقارير عن جهود دبلوماسية واتصالات إقليمية ودولية لاحتواء التوتر، إلى جانب حديث عن تفاهمات مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة عُمانية لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، بينما تترافق هذه التحركات مع تصريحات أمريكية تؤكد أن الصراع مع إيران لا ينبغي أن ينزلق إلى مواجهة مفتوحة.

كل ذلك يعكس أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة تموضع أكثر منها مرحلة اصطفاف حاد، حيث تحاول مختلف الأطراف تحسين مواقعها السياسية والعسكرية قبل أي ترتيبات إقليمية أو دولية مقبلة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم التصعيد الحوثي باعتباره محاولة لفرض أوراق قوة على طاولة التفاوض، كما يمكن فهم التحركات الإقليمية باعتبارها سعياً لإعادة صياغة منظومة أمنية أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

ويبقى مستقبل اليمن مرهوناً ليس فقط بما ستسفر عنه المواجهات العسكرية على الأرض، وإنما أيضاً بمآلات التفاهمات الإقليمية والدولية، ومدى نجاح القوى المختلفة في تحقيق توازن بين الردع العسكري والانفتاح السياسي، لأن ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد جولة جديدة من الصراع، بل بداية لمرحلة تعاد فيها صياغة خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة بأسرها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى