
مَا زَالَتْ سُورَةُ الكَهْفِ تُبْهِرُنَا بِكُنُوزِهَا، وَتُدَهِشُنَا بِعُمْقِهَا، وَتَفْتَحُ لَنَا فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ بَابًا جَدِيدًا مِنْ رَسَائِلِهَا وَعِبَرِها؛
كُلَّمَا عُدْنَا إِلَيْهَا، كَشَفَتْ لَنَا مَعْنًى جَدِيدًا، وَكَأَنَّ آيَاتِهَا تَقُولُ لَنَا: لَا تَسْتَعْجِلُوا الحُكْمَ عَلَى مَا يَجْرِي فِي حَيَاتِكُمْ؛ فَأَنْتُمْ تَرَوْنَ ظَاهِرَ الأَحْدَاثِ، أَمَّا حَقَائِقُهَا وَعَوَاقِبُهَا فَعِنْدَ اللهِ.
وَمِنْ أَجْمَلِ مَا يَسْتَوْقِفُنَا فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالخَضِرِ: ثَلَاثُ نِعَمٍ، وَثَلَاثُ طُرُقٍ لِحِفْظِهَا.
فِي السَّفِينَةِ، كَانَتِ النِّعْمَةُ تَحْتَاجُ إِلَى نَقْصٍ لِكَيْ تَبْقَى.
فَلَوْ بَقِيَتْ سَلِيمَةً، أَخَذَهَا المَلِكُ غَصْبًا؛ فَكَانَ خَرْقُهَا عَيْبًا فِي ظَاهِرِهِ، وَحِفْظًا لَهَا فِي حَقِيقَتِهِ.
ثُمَّ نَرَى الغُلَامَ…
هُنَا لَمْ تَكُنِ النِّعْمَةُ فِي أَنْ يَبْقَى، فَبَقَاؤُهُ كَانَ يُهَدِّدُ نِعْمَةً أَعْظَمَ، فَجَاءَ رَفْعُهُ، ثُمَّ جَاءَ العِوَضُ: ﴿أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ﴾.
ثُمَّ نَصِلُ إِلَى الكَنْز…
لَمْ تَكُنِ النِّعْمَةُ تَحْتَاجُ إِلَى نَقْصٍ، وَلَا إِلَى رَفْعٍ، بَلْ كَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَى تَأْخِيرٍ.
فَالْكَنْزُ لَمْ يُمْنَعْ عَنْ صَاحِبَيْهِ، وَلَمْ يُضَيَّعْ؛ بَلْ حُفِظَ لَهُمَا حَتَّى يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَاهُ فِي وَقْتِهِ.
وَهُنَا تَتَجَلَّى لَنَا لَطِيفَةٌ عَظِيمَةٌ:
قَدْ يَحْفَظُ اللهُ النِّعْمَةَ بِنَقْصِهَا،
وَقَدْ يَحْفَظُهَا بِرَفْعِ مَا يُفْسِدُهَا،
وَقَدْ يَحْفَظُهَا بِتَأْخِيرِهَا.
فَلَيْسَ حِفْظُ النِّعْمَةِ دَائِمًا أَنْ تَبْقَى كَمَا نُرِيدُهَا.
قَدْ تَبْقَى بِأَنْ تَنْقُصَ،
وَقَدْ تَبْقَى بِأَنْ تَتَغَيَّرَ،
وَقَدْ تَبْقَى بِأَنْ تَنْتَظِرَ.
وَلَعَلَّ هٰذَا مِمَّا نَحْتَاجُ أَنْ نَتَذَكَّرَهُ كُلَّمَا فَقَدْنَا شَيْئًا، أَوْ تَغَيَّرَ شَيْءٌ فِي حَيَاتِنَا، أَوْ تَأَخَّرَ عَنَّا مَا نَرْجُوهُ:
لَا تَقُلْ: لِمَاذَا لَمْ يَبْقَ كَمَا كَانَ؟
بَلْ سَلْ: مَا الَّذِي يُرِيدُ اللهُ أَنْ يَحْفَظَهُ لِي مِنْ خِلَالِ هٰذَا التَّغْيِيرِ؟
فَنَحْنُ نَرَى النِّعْمَةَ فِي صُورَتِهَا الحَاضِرَةِ،
أَمَّا اللهُ فَيَعْلَمُ كَيْفَ تَبْقَى، وَمِنْ أَيِّ شَرٍّ تُحْفَظُ، وَمَتَى يَكُونُ ظُهُورُهَا خَيْرًا لَنَا.
مَا زَالَتْ سُورَةُ الكَهْفِ تُبْهِرُنَا…
لِأَنَّهَا لَا تُعَلِّمُنَا فَقَطْ كَيْفَ نَرَى الأَحْدَاثَ،
بَلْ كَيْفَ نَرَى يَدَ اللهِ فِي مَا وَرَاءَ الأَحْدَاثِ.