
الأسئلة التي طرحت حول ” فتاة منتصف الليل” في حي المنصور لو طرحت على قضايانا المصيرية الملحة بالاهتمام نفسه والحماس نفسه، لكنا أقرب الى الحقائق من هذا الضياع والتداخل والتشابه :
من بين تلك الاسئلة تدور عن “هوية الرجال” المطاردين لها ومن أي مكان هم وكيف جاؤوا الى بغداد التي كانت عاصمة “ملائكية” وليست ثكنة أمنية سرية في النظام السابق في كل دكان وسيارة تاكسي ومقهى وصالون حلاقة وفندق ومكتبة وجامع وحتى معتقلات سرية في طوابق الفنادق السفلى وغيرها في شوارعها كالسعدون والرشيد خاصةً ونساء الامن العام المتعاونات مع رجال الامن في بعض المحلات كما في محاضرة لفاضل البراك ــــــــــــــــ مدير الأمن ثم المخابرات ــــــــــ وعن علاقة الغرام مع رجال الامن . بغداد السطح الظاهر ليست بغداد القاع المخفي.
بغداد تلك السنوات معتقل خفي: الشوارع، والمحلات، والمقاهي، والأحياء السكنية تحولت إلى أمكنة مراقبة من قبل شبكة واسعة من المخبرين والأجهزة الاستخباراتية والمخابراتية والحزبية حتى في دور السينما بين المتفرجين صار الهمس في الظلام مخيفاً. بغداد القاع السري جحيم من صنع بشري.
في رواية لعراقي ” عازف الغيوم” يصف الخراب بأنه زحف” الحثالات ” على الأحياء “الراقية” وظهور اللهجات المخزية الجنوبية بتعبيره، المشكلة الكبرى ، يقول، إختفاء الكافيار والويسكي، وليس خراب وطن وقتل الحياة فيه،
وحتى من مات موتا طبيعيا أو بمرض مميت، ويذكر عمه كمثال، وضع السبب على هؤلاء البسطاء لأنه مات قهراً من منظرهم في الشوارع ومن أغانيهم وأكلاتهم وثيابهم وعاداتهم وروائحهم. اذا كان الروائي ينظر لشعبه هذه النظرة الدونية المحقرة، فماذا نتوقع من عامة الناس؟
كيف عشنا وسط هؤلاء البسطاء الابرياء دون أن نشم هذه الروائح ونتقزز من الاكلات والثياب والاكواخ التي شكلت هويتنا وفننا واغانينا وقصائدنا واحلامنا ورواياتنا؟
اسئلة كثيرة عن” هوية” تلك الفتاة ولماذا خرجت منتصف الليل وأين الشرطة وأين الشرف وكيف ضاعت الكرامة تلك الليلة؟
بدل طرح سؤال الهوية التي تعرضت للاهتزاز والتشوه وبدل السؤال عن القواعد الامريكية ال 12 في شمال وشرق البلاد وعن الكرامة الوطنية المسحوقة وعن الاغتيالات الامريكية الاسرائيلية من الجو وبدل السؤال عن أكثر من 28 جهاز مخابرات أجنبي ـــــــــــــــ بشهادة رئيس جهاز أمني عراقي ــــــــــــــــ يعمل في العراق بكفاءة وبدل السؤال عن الاقبية والسراديب التي تصنع القرارات السيادية، وبدل سؤال المستقبل، كانت الأسئلة تدور حول” هوية الفتاة” وحول” هوية” الرجال”.
لن نخوض في النقاش أكثر من ذلك لكن هذا يوضح لنا حجم الشر العميق الذي صار ظاهرة عادية وعن حجم” الابادات الناعمة” التي تعرض لها المجتمع.
العراقي اليوم كالهندي في فترة الاحتلال البريطاني عندما أدخلت بريطانيا الديانة المسيحية لتهجين المجتمع وخلقت الهندي المشتت المضيع صول جعابة: لا هو مسيحي وبريطاني ولا هو هندوسي أو سيخي بعد أن تم تلقيحه بثقافة مختلفة من خارجه لكي ينسى من يكون ويصبح غريباً عن نفسه وبيئته وخلقت بريطانيا طبقة متعالية في الهند تتكلم اللغة الانكليزية، جرى في العراق خلق طبقة ثرية مرتبطة بالمصارف والاسواق العالمية أكثر مما هي مرتبطة بواقعها العراقي وهذه الطبقة تعيش في المنطقة الرمادية ومنها ستخرج الفئة الحاكمة التي تتقن لغة الخارج وتقرأ شفرات الداخل، تنال دعم الخارج وفي الوقت نفسه تسيطر على السوق المحلي وهي الأخرى طبقة مهجنة لا هي غربية ولا محلية بل انتهازية بلا ملامح واضحة وحلت التجارة محل الايديولوجيا وبدل الرفاق جاء النصابون بتعبير ميلان كونديرا عن تحولات بلده التشيك.
في كتاب كيت داوت ” فهم الشر، دروس من البوسنة” تحدث عن ثلاثة أنواع من ” إبادة المجتمع” لتخريب أي دولة :
1 :ابادة المجتمع بهدم الأسس الأخلاقية التي يقف فوقها لكي يشعر الجميع بالغربة والخوف والكراهية من بعضهم:( إبادة المجتمع تتجاوز التدمير المادي المباشر كالمنازل والأفراد إلى محو هيبة المدن، وتقاليدها، وتاريخها، ومناهج حياتها المشتركة) و( خلق بيئة يسودها الشك وسوء النية وانعدام الثقة عبر تخريب مقومات العيش المشترك بين المكونات المختلفة.) وهذه الظاهرة أكثر ظواهر المجتمع العراقي شيوعاً وخطراً بين بعض المدن والطوائف وتتصاعد كل يوم .
2: والابادة الجماعية بالتحريض على جماعة والتشكيك بهويتها وانسانيتها لكي تتحول الى خطر وحيد ونسيان كل المخاطر، كالسؤال عن هوية المطاردين وفي تسمية دونية” الوافدين الى بغداد” كما لو ان بغداد ملكية عقارية لجماعة لوثها غرباء من الجنوب واستعمال صفات بطريقة محقرة ” كالشروكية” و”اللفو” والخ من ذهنية الوصم المصنفة في كل القوانين كعنصرية تعاقب عليها القوانين.
وتسمى العنصرية الثقافية Cultural racism المبنية على الاختلافات الثقافية والاثنية وطرق العيش والتعامل معها بالفاظ دونية واعلاء شأن مكون اجتماعي على آخر وتصوير هذا الاختلاف على انه خلل جوهري في جماعة وعلى العكس نقاء عرقي وثقافي في آخر وهذه جريمة وضحالة اخلاقية شنيعة.
و3 ابادة المنزل: وهو الاخطر ليس من خلال نسفه وتخريبه بل من خلال “فقدان هيبته” وتحويل المنزل الى دار استباحة اخلاقية وهدم كل الروابط الاخلاقية بين الافراد، وفقدان هيبة المنزل مقدمة لفقدان هيبة المجتمع لأنه النواة بعد ان تتفسخ وتتعفن الروابط المقدسة العائلية وتصبح الخيانة وجهة نظر وكل شيء” عادي”.
لا تحدث هذه الابادات بلا توفر عناصر: السطحية والتفاهة وانهيار المعايير العامة التي تضبط الايقاع الاجتماعي وتحل مكانها المعايير الفردية وكل فرد يحلل ويحرم حسب مصلحته.
الأحداث التافهة تخلق هوية مشتركة بين التافهين ـــــــــــــــــ الذين يتحاشون الصفحات والنقاشات الجادة ـــــــــــــ لسهولة التعليق على الحدث الذي لا يحتاج الى موهبة وثقافة وكفاءة كما تحدث مباراة كرة القدم هوية مشتركة بين جمهور من قارات متباعدة، وتلك فرصة تأكيد الذات التي تحتاج الى بيئة من صنفها كما يحتاج السمك الى الماء.
من المنطقي أن ينساق عامة الناس خلف هذا الضجيج والسطحية، لكن ان يندفع المثقفون ــــــــــــــــ حسب التسمية المتداولة ـــــــــــــــــ خلف هذا النقاش، فهو أمر مقلق ومحير لأن من شروط المثقف ان لا يندفع خلف الحشود ولا خلف الهياج العام ومن الضروري التأني والتريث واعادة الناس الى الأسئلة المصيرية الغائبة بدل التحليل” الفرويدي” لحدث في منتهى الانحطاط يحدث أخطر منه كل يوم في مؤسسات الدولة والسلطة في نهب المال العام وتحويل المؤسسات الى اقطاعيات وبيع الثروة الوطنية للشركات الاجنبية ومخاطر جديدة قادمة.
في كتابه” خيانة الكهنة” للمفكر جوليان بندا والمقصود بالكهنة المثقفين وترجم للعربية ” خيانة المثقفين” تحدث عن أدوار هؤلاء المثقفين واصفا اياهم بالكهنة الذين خانوا مهمتهم بسبب مصالح ومنافع ومكاسب السياسة وقد استعار المفكر ادوارد سعيد العنوان نفسه في نصوصه الاخيرة” خيانة المثقفين” التي غالباً لا يتم الحديث عنها إلا نادرا لقدرة هؤلاء على التخفي والتبرير ومتانة الأقنعة في حين يتم التركيز على شتم السياسي الذي تقف خلفه في الخفاء في صحفه ومحطاته شبكة واسعة من أهل القلم يروجون له في السر ويظهرون كمعارضة في العلن.
يلوح السقوط والانهيار بسبب عوامل داخلية وجزء من هذا صحيح لكنها عوامل منظمة وتنفذ عبر مراحل من قوى خارجية مسكوت عنها وعندما يقع التداعي العام والانهيار الاخير يظهر المجرم والمصنع المشغل كمنقذ كما ظهر مرات من قبل وهو السيناريو المفضل لشعب يعشق المظاهر ويؤمن ان الواقع الحقيقي هو ما يراه وليس ما لا يراه في السراديب والظلام والاقبية لان الواقع الحقيقي يحتجب، لكن العقل المسطح لا يراه نتيجة ثقافة الحيطان والشعارات الكبرى. عرض أقل