محمد الحسيني يكتب :تقاسم الكيد أم تقاسم الكعكة؟.. السلام يُكتب في عُمان ويُختبر في اليمن

ليست عُمان وحدها التي تتفاوض، فخلف طاولة الحوار بين واشنطن وطهران، تتحرك خرائط النفوذ من الخليج إلى البحر الأحمر، وتُرفع أوراق القوة واحدة تلو الأخرى.
إيران تفاوض على نفوذها، والسعودية تعيد بناء موقعها، وتركيا وباكستان تبحثان عن موطئ قدم في الترتيبات الجديدة، بينما يرفع الحوثي كلفة تجاهل اليمن بالصواريخ والمسيّرات والتهديدات البحرية.
لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس هل ستنجح مفاوضات عُمان، بل ماذا سيحدث إذا نجحت؟ من سيحصل على ماذا؟ ومن سيدفع ثمن التفاهم؟ وأين سيكون اليمن في هذه الصفقة؟ أي تفاهم أميركي ـ إيراني لن يبقى محصوراً بين واشنطن وطهران، إيران لا تتحرك من حدودها فقط، والولايات المتحدة لا تفصل الخليج عن البحر الأحمر.
بين هرمز وباب المندب شبكة مصالح تجعل أمن السعودية والملاحة واليمن أجزاء من معادلة واحدة.
ومن هنا تبدو حالة اللاحرب واللاسلم أكثر من وضع مؤقت، إنها مساحة للمناورة بالنسبة إلى المتفاوضين، لكنها استنزاف دائم لدول المنطقة.
لذلك تأتي الرسائل الخليجية المطالبة بإنهائها كرسائل إلى طاولة التفاوض: إذا كانت المنطقة مقبلة على تفاهمات جديدة، فلن تكون الرياض مجرد متلقٍ لنتائجها. وهنا تكتسب تحركات السعودية باتجاه تركيا وباكستان معناها.
فالرياض لا تبني هذه الشراكات استعداداً للحرب بالضرورة، بل لتدخل أي ترتيبات مقبلة من موقع أقوى، ولرفع كلفة تجاهل مصالحها.
واللافت أن هذا التحرك يتزامن مع تصاعد الملف الإيراني وعودة اليمن إلى واجهة المشهد العسكري والبحري، فاليمن لم يعد جبهة جانبية.
يمكن لواشنطن وطهران أن تتفاهمَا في عُمان، لكن استمرار تهديد باب المندب سيحد من أثر أي تفاهم.
ويمكن أن تهدأ جبهة الخليج، لكن بقاء اليمن مفتوحاً سيبقي أمن السعودية والبحر الأحمر تحت الضغط. وهنا يحتل الحوثي موقعاً مركزياً.
فهو ليس مجرد طرف في حرب يمنية، ولا يمكن اختزال دوره في كونه ورقة إيرانية، إنه يمتلك جغرافيا استراتيجية وأدوات عسكرية تسمح له بتحويل اليمن من ساحة داخلية إلى ورقة ضغط إقليمية.
لذلك فإن أي تفاهم حول إيران من دون اليمن سيبقى ناقصاً، التصعيد الحوثي يمكن قراءته كمحاولة لرفع قيمة الورقة اليمنية قبل اتضاح شكل التسوية.
وكلما اقتربت الدبلوماسية من تفاهمات جديدة، زادت رغبة الأطراف التي تخشى خسارة نفوذها في إظهار قدرتها على التعطيل. وهذا لا يعني بالضرورة أن الحوثي يريد حرباً شاملة.
ربما يريد منع استبعاده من التسوية وفرض نفسه طرفاً لا يمكن تجاوزه، فالطرف القادر على إشعال الجبهة يستطيع أن يقول أيضاً: لا يمكن صناعة السلام من دوني.
لكن هذه الورقة تحمل كلفة، فكلما نقل الحوثي الصراع إلى البحر، تحول اليمن من ملف داخلي إلى قضية أمن إقليمي ودولي.
الهجمات على السفن تثبت قدرته على التأثير في الملاحة، لكنها تمنح في الوقت نفسه القوى الإقليمية والدولية مبرراً أقوى للتعامل معه باعتباره تهديداً أمنياً.
وهذه هي معضلته: يريد أن يكون جزءاً من التسوية، من دون أن يصبح الطرف الذي تتفق القوى على ضرورة احتوائه.
وتزداد أهمية ذلك مع دخول باكستان إلى دائرة التداعيات، مقتل بحارة باكستانيين في هجوم على سفينة في باب المندب لا يكفي للجزم بأنه استهداف مقصود لإسلام آباد، لكن النتيجة السياسية واضحة: باكستان أصبحت أكثر ارتباطاً بأمن البحر الأحمر، في وقت تحاول فيه لعب دور الوسيط في الملفات المتصلة بإيران، وتعزز علاقاتها الدفاعية مع السعودية وتركيا.
وقد ينتج التصعيد الحوثي هنا أثراً عكسياً: بدلاً من إبعاد باكستان عن ترتيبات الأمن الإقليمي، قد يدفعها إلى الاقتراب منها، ويمنح السعودية حجة إضافية للقول إن التهديد الحوثي لم يعد شأناً يمنياً أو سعودياً، بل قضية أمن إقليمي وملاحة دولية.
ومن ثم لم يعد أمن الملاحة نتيجة جانبية للمفاوضات، بل جزءاً من موضوع التفاوض نفسه. هرمز ورقة إيرانية حساسة، وباب المندب ورقة حوثية حساسة، وبينهما ممرات تتحرك فيها التجارة العالمية.
ومن يضمن الملاحة يمتلك جزءاً من النظام الأمني الجديد، ومن يستطيع تهديدها يمتلك ورقة ضغط على طاولة المساومة. لهذا لم يعد مستقبل اليمن شأناً يمنياً خالصاً.
إنه سؤال سعودي وخليجي ومصري وباكستاني وتركي وأميركي وأوروبي وإيراني في آن واحد. والتصعيد الحوثي، بهذا المعنى، قد يكون اختباراً لحدود التسوية الإقليمية كلها: هل تستطيع السعودية احتواءه من دون العودة إلى الحرب؟ هل تستطيع إيران التفاوض مع واشنطن مع الحفاظ على أوراقها؟ هل ستدخل باكستان في ترتيبات أمن البحر الأحمر؟ وهل ستتعامل الولايات المتحدة مع باب المندب باعتباره جزءاً من منظومة أمنية أوسع؟ وهل ستبقى تركيا خارج الملفات الأمنية المرتبطة باليمن؟ إنه اختبار للجميع.
الحوثي يقول: نحن هنا. والسعودية تقول: لن نقبل تفاهمات على حساب أمننا، وباكستان تكتشف أن الوساطة بين الكبار لا تعني البقاء بعيداً عن تداعيات صراعاتهم.
أما إيران فتواجه السؤال الأصعب: هل تستطيع الاحتفاظ بورقة اليمن من دون أن تتحول هذه الورقة إلى عبء في أي تفاهم مع واشنطن؟ ومن هنا يصبح اليمن أحد أهم مؤشرات جدية أي تفاهم أميركي ـ إيراني.
إذا هدأت الجبهات، وتراجع تهديد الملاحة، وبدأ مسار سياسي حقيقي، فذلك يعني أن التفاهم يتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران.
أما إذا استمر التصعيد، فمعنى ذلك أن ملفات أساسية لم تُحسم، وأن اليمن لا يزال ورقة ضغط في صراع أوسع.
المشهد في جوهره مساومة كبرى على شكل المنطقة المقبل: إيران تريد ضمانات ونفوذاً، الولايات المتحدة تريد خفض المخاطر وحماية مصالحها، السعودية تريد أمناً لا تكون فيه رهينة للتهديدات، تركيا تريد موقعاً في النظام الجديد، باكستان تريد دور الوسيط من دون خسارة شراكاتها، والحوثي يريد ألا يخرج من التسوية خاسراً.
وهنا يعود السؤال: تقاسم الكيد أم تقاسم الكعكة؟ ربما نحن أمام الاثنين معاً: كعكة اسمها النظام الإقليمي الجديد، وكيد سياسي وعسكري يرفع به كل طرف حصته منها. لكن اليمن لا يستطيع أن يبقى مجرد أداة في هذه المساومة.
فهو المكان الذي قد تنجح فيه الصفقة أو تفشل، إذا بقي الحوثي خارج التسوية، يمكن أن يعود التصعيد.
وإذا بقي باب المندب خارج ترتيبات الأمن، يمكن أن تعود أزمة الملاحة. وإذا بقيت علاقة إيران بالحوثي خارج أي تفاهم، ستظل الورقة اليمنية جاهزة للاستخدام.
وإذا واجهت السعودية التهديدات من دون ترتيبات أمنية أوسع، فستواصل البحث عن شراكات جديدة.
لهذا لا يبدأ السلام في عُمان وينتهي فيها. قد تبدأ المفاوضات هناك، لكن اختبار نتائجها سيكون في اليمن.
وقد تُكتب التفاهمات في الغرف المغلقة، لكن ترجمتها ستظهر في باب المندب، وقد تتحدث العواصم عن خفض التصعيد، لكن الجبهة اليمنية ستكشف ما إذا كان ذلك خفضاً حقيقياً أم مجرد هدنة بين جولتين من الضغط.
اليمن لم يعد هامشاً في التفاوض على المنطقة؛ بل أصبح أحد مفاتيحه، ومن يريد معرفة اتجاه المرحلة المقبلة، عليه ألا ينظر فقط إلى طاولة عُمان، بل إلى مأرب وتعز والمخا وشبوة، وإلى باب المندب، وإلى علاقة الرياض بأنقرة وإسلام آباد، وإلى قدرة إيران على التأثير في مسار الحوثيين. هناك ستظهر الحقيقة قبل البيانات.
فإذا اتجه اليمن نحو التهدئة، فقد تكون المنطقة بدأت فعلاً الانتقال من الصراع إلى التسوية. أما إذا اتسع التصعيد، فمعنى ذلك أن ما يجري في العواصم ليس سلاماً بعد، بل تفاوضاً على شروط الحرب والسلام معاً.
لا يبدو أن أحداً يريد حرباً شاملة، لكن لا أحد يريد الوصول إلى السلام من موقع الخاسر، وفي الحالتين، سيكون اليمن أول من يدفع الثمن، وأول من يكشف حقيقة الصفقة.