
في عمارة بيرغن في النرويج بطوابقها الاربعة قرب محطة القطار، يتجاور الروسي مع العراقي والايراني والفيتنامي والافغاني والخ.
في ذلك اليوم كانت العمارة تضج بالحركة والصخب، وعلامات عيد ميلاد في مكان ما، لكني كالعادة كنت بعيداً عن المهرجان حتى طرق الباب النقيب الاثيوبي أيالو الهارب بعد انقلاب فاشل ضد الرئيس الشيوعي منغستو مريام،
وأيالو هو المختار المجهري لأدق تفاصيل العمارة، من دخل ومن خرج وآخر نوبة قلبية ومواعيد الدورة لنساء السجون الفاشية،
والاعشاب الطبية في علاج صومالية من مشكلة داخلية خاصة كما يقول أيالو في رمزيته الشنيعة.
أقسم الانقلابي تلميذ الكي جي بي المخابرات السوفيتية بعد دورة لسنوات قضاها في موسكو ألا ينام وحيداً، وبعد انقلابه الفاشل واعدام رفاقه،
لا مجال للسياسة بعد اليوم بل إنفتح على عالم اللذائذ،
وكثيرا ما أجده في الحديقة العامة الكبيرة قرب العمارة وهو في حالة قنص منتصف الليل.
لا يفرق أيالو بين نطيحة ومتردية ولا بين صغيرة وكبيرة وغير مشغول بالعذرية،
والكل أهداف وانتهى زمن الثكنة والعقيدة لكي يبدأ زمن السرير ونبيذ طاولة النوم الصغيرة والانقلاب الوحيد الناجح يقول حدث في السرير.
أيالو جاري وصديقي لكننا لسنا على وئام دائماً وفي ذاك اليوم طرق الباب وجلس في الصالة وخلفه عبر النافذة يتطاير الثلج في الريح.
” ماذا تقرأ؟”
سأل هو ليكسر الصمت فقلت: ” مرتفعات وذرينج”
” آه رواية إميلي برونتي”.
تظاهر أنه قرأ الرواية لكن ليس هذا ما يشغلنا الآن، بل هذا الضجيج في سلالم العمارة وليس غير أيالو خبير الدهاليز من يعرف السر وكان يتوقع وينتظر سؤالي لكني صممت أن أسرق منه هذه المتعة وتظاهرت باللامبالاة
لكنه بادر:
” أكيد تعرف ماذا يدور في العمارة؟”
” لا أدري ولست مهتماً”.
” حفل عيد ميلاد فيتنامي إبن عاهرة فرت بعد سقوط سايغون وهروب
الجيش الامريكي”.
كان أيالو منزعجاً أن يتجاور هو مع إبن حرام بعربية مكسرة كما
يقول ولسان حاله “هذا من نكد الدهر على الحر”،
ومعرفتي بالفيتنامي هو الآخر غير سعيد بجوار أيالو الصاخب الذي يرج بأقدامه العمارة وهو يصعد السلالم كما لو في ثكنة، لكن أيالو تلقى دعوة حضور حفل ميلاده،
وكذلك أنا ولم أفتح صندوق البريد في باب العمارة إلا في الساعة الأخيرة،
وكان يجب أن ندخل معاً الحفل.
جلس أيالو الى جانبي ليس عن خيار بل المضطر لأني الوحيد المستعد لحضور حفل معه مع صخبه ومن يتحمله،
وبدأ دخول باقي الضيوف وأيالو يقوم بمهمة التعريف بالداخلين لي، همساً:
” هذه تشيلية هاربة من الدكتاتور بيونشيت قاومت الاغتصاب،
وهذا بوريس جندي روسي هارب من حرب افغانستان حشاش اليوم،
وهذه أليانا البولندية عداءة المسافات القصيرة وأنت تعرفها جيداً هاربة بعد انهيار الشيوعية وهذا عراقي إمام مسجد لكنه بائع مخدرات وهذه كاتبة ايرانية تعاني من رهاب المطاردة،
وهذا بوذي منحرف وذاك هندوسي مخبل وهذا تشيلي مغتصب في سجون الجنرال بينوشيت الخ”.
القانون في النهاية من يحكم وليس التاريخ والعرق والعقيدة،
الحق في الاختلاف والخصوصية مثبت في قانون دون أي تجاوز على الآخر.
المفارقة أن مهدي أصفهاني الجندي المظلي في اللواء قوات خاصة 55 في الفرقة الذهبية الايرانية التي اجتاحت واستعادت المحمرة في 24 أبريل – 12 مايو 1982 وكنت أنا في الطرف المقابل له في اللواء الآلي المدرع 20 وصلنا تحت الامطار عبر جسر الشلامجة تحت قصف عنيف ـــــــــــــــــــــ كان سائق المدرعة الشاعر حاتم النعماني مؤلف أغنية:” شكراً يا عمر” لياس خضر ــــــــــــ من الاحواز لتشكيل الحاجز المدرع من سقوط البصرة، كان حاضراً الحفل.
كلانا خسرنا الحرب وجمعنا المنفى والحفل والخيبة والتسكع في شوارع المدينة صامتين. إنتهى مهدي اصفهاني في مصح عقلي ثم الانتحار. في الحروب العبثية المنتصر لا يأخذ شيئاً.
بعد العشاء والحلويات والفواكه إندلعت موسيقى صاخبة وصارت الاضواء تشتعل وتنطفيء، ومع الحشد والموسيقى وايقاع الطبل، دوت في الذاكرة مدافع الخطوط الأمامية والأمطار وسيارات الاسعاف والعجلات المحترقة.
كان أيالو يرقص منتشيا ً ولا يكف عن التعليق بالانكليزية والعربية والنرويجية:
” شفت اي عالم نحن فيه؟ فرقتنا نظم الحكم والعقائد والقوميات، وفي النهاية جمعتنا حفلة عيد ميلاد لقيط؟”
واضاف :
” هذه هي الهويات الجديدة التي تصنعها حروب الرأسمالية”.
كان ذلك قبل غزو العراق. وجلجلت ضحكته وهو يقول:
” من انقلابي مرشح رئيس دولة في أديس أبابا الى مدعو في حفلة لقيط”. عرض أقل