
يقَلبونَ قُمصانَ حُزنِهِمْ
كُلَّما اختَلَوا بأفراحِهِمْ،
ينامونَ باكرًا
قبلَ أنْ يُغلِقَ بائعُ الأحلامِ دُكّانَهُ،
وعلى رؤوسِ أصابعِها،
تَنسلُّ أرواحُهُمْ لزيارةِ الماضي المريضِ،
كأنَّهُمْ يَخشَونَ المستقبلَ أنْ يَراهُمْ
وهُمْ يُساوِمونَ على ما تَبَقّى مِنْ أعمارِهِمْ.
يَطوونَ أيّامَهُمْ بعنايةٍ،
ويَضَعونَها في أدراجٍ
لا تَصِلُ إليها يدُ الغدِ،
يُخَبِّئونَ أسماءَ موتاهُمْ
وحَطَبَ هُمومِهِمْ،
كَيْ لا يَضيعوا مِنْهُمْ في الشتاءِ.
يَخيطونَ أكفانَهُمْ
إذا ما هَدْهَدَتِ الأمُّ الليلَ :
بـ«ضربِ الخناجرِ ولا حُكمَ الندلِ فيَّ…»،
ثُمَّ يَتركونَ للغائبِ مكانًا على المائدةِ،
فَرُبَّما أخطأَ الموتُ العنوانَ.
يُدَرِّبونَ الصمتَ على الثرثرةِ
قبلَ أنْ تَغيبَ شمسُ الحكايةِ
خلفَ الجبالِ…
ويَضَعونَ للانتظارِ كُرسيًّا عندَ البابِ،
ثُمَّ يَكتشفونَ، بعدَ أعوامٍ،
أنَّهُ صارَ الابنَ البكرَ للعائلةِ.
وكُلَّما امتلأَ ضَرعُ البهجةِ،
بَحثوا عن إخوةٍ بالرضاعِ،
فالحُزنُ، حينَ يَطولُ،
يَصيرُ ذاكرةً لها أسنانٌ،
والفرحُ طفلٌ خائفٌ
يَحتاجُ حُرّاسًا لنومِهِ.
وحينَ يَغيبونَ..
تَفتحُ الأمُّ مستودعَ الأمنياتِ،
تنفضُ عنها غُبارَ المستحيلِ،
وتَسقيها بماءِ الرجاءِ،
تُقَطِّبُ للَّيلِ أزرارَ سكونِهِ
بخيطِ الدعاءِ،
تَكنُسُ هواجسَهُمْ،
تُمَشِّطُ أعيادَهُمْ،
تمسحُ بقعَ الخوفِ عن مِريولِ ليلِهِمْ،
وتُقَلِّمُ أظافرَ وحشتِهِمْ
كَيْ يَدخُلوا مدرسةَ الصباحِ
دونَ تأنيبٍ…
تَسقي حَبَقَ الصُّدفةِ
حتّى تَفوحَ رائحةُ المواعيدِ،
ثُمَّ تُعِدُّ وجبةَ الزغاريدِ؛
فقدْ يَطرُقُ البابَ فجأةً حُلمٌ
بَلَغَ سِنَّ الرُّشدِ.
للأمِّ دُرجٌ سِرِّيٌّ بينَ أضلاعِها،
تُخَبِّئُ فيهِ ما عَجَزَتِ الحياةُ عن تحقيقِهِ،
وتَحتَفِظُ بمفاتيحِ الغائبينَ
كما تَحتَفِظُ السماءُ
بأسماءِ نجومِها المُنطَفِئَةِ.
تُلمِّعُ الضحكاتِ،
وتَتَفَقَّدُ عُكّازَ الأملِ،
فقدْ يَمُرُّ بنا ضيفٌ أعرجُ الرُّوحِ،
التوى كاحلُ سرورِهِ.
وإذا تَأخَّرَ،
لا تُغلِقِ البابَ.
تَجلِسُ الأمُّ إلى جوارِهِ،
تُرَبِّتُ على كتفِ الليلِ،
وتقولُ للحُلمِ المُتعَبِ:
ادخُلْ…
لقدْ كَبِرْنا كثيرًا
ونحنُ نَنتَظِرُكَ.
–